الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٦٥الْوَجْه الرابع: أَنَّ الْحَاجَة إِلَى مَعرِفَة /161/ جَواز الْمَسْح عَلَى الْخُفَّين حَاجة عامَّة فِي حقِّ كُلِّ المكلَّفين؛ فلو كَانَ ذَلِكَ مشروعا لَعرفه الكلّ، ولبَلَغ مبَلَغ التواتر، ولَمَّا لَمْ يكن الأمر كَذَلِكَ ظهر ضعفه.
احتَجَّ الْمخالفون بِحَدِيث رَفعوه عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ مَسح عَلَى الْخُفَّين»، وبِما تَقدَّم مِن دعوَى الإِجْمَاع مِن الصحابة فِي الْقَولِ به من بَعضهم وسكوتِ الباقين.
وَالْجَوابُ: أَمَّا الإِجمَاع فغَير مُسلَّم لِمَا تقدَّم من الإنكار عن عائشة وابن عَبَّاس وغيرهِما.
والخبر لا يُعارض الآيَة لِوجوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ نَسخ القُرْآن بِخَبر الواحدِ لا يَجُوزُ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ آية الوُضُوء فِي سورة المائدة. وأَجْمَع المفسرون عَلَى أَنَّ هَذِهِ السورة لا مَنسوخ فِيها البتَّة إِلاَّ قَوله تَعَالىَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ﴾، فإنَّ بَعضهم قَالَ: هَذِهِ الآيَة مَنسوخة، وإذا كَانَ كَذَلِكَ امتنَع الْقَول بأنَّ وُجُوب غَسل الرِّجلَين منسوخ.
وَثَالِثهَا: أَنَّ خبر الْمَسْح عَلَى الْخُفَّين بِتقدير أَنَّهُ كَانَ مُتقدِّما عَلَى نزول الآيَة كَانَ خَبَر الواحد مَنسوخا بِالقرآن، ولو كَانَ بالعكس كَانَ خَبَر الواحدِ نَاسخا للقرآنِ، ولاَ شكَّ أَنَّ الأوَّل أوْلَى لِوجوه:
أَحَدُهَا: أَنَّ تَرجيح القُرْآن عَلَى خَبَر الواحدِ أوْلَى من العكس.
وَثَانِيهَا: أَنَّ الْعَمَلَ بالآيَة أَقرَب إِلَى الاحتياط.
وَثَالِثهَا: أَنَّهُ قَد رُوِيَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رُوِيَ لَكُم عَنِّي حَدِيثٌ فَاعرِضُوهُ عَلَى كِتابِ اللهِ، فَإن وَافَقَهُ فَاقبَلُوهُ وَإِلاَّ فَردُّوه»، وذَلِكَ يَقتَضي تَقدِيم القُرْآن عَلَى الْخَبر.