الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٩٩وغاية ما في هذا الفصل الرجوع إِلَى اعتبارات مُختلفة، مثاله: أن من جعله لصاحب الأرض اعتبر أَنَّه من جُملة أرضه فهو بِمَنزلة الْخارج منها، فهو به أحقّ من غيره لسبق الْملك في جُملة الأرض، ومن جعله لواجده اعتبر حالة الرّكاز، وأنّ الْملك لَم يقع عليه، وأنّ ملك الأرض في الْجُملَة لا يتناوله؛ لأَنَّ البيع والشراء والْهِبة وغيرهِما من أنواع التّصرّف لا يقع إِلاَّ عَلَى ظاهر الأرض، فلو علموا ما /116/ في بطنها ما باعوها بالبخس، ومن اعتبر الْحصن جعل في الْمَحصون خصوصيَّة ليست في الْمُباح؛ لاشتراك الناس في الانتفاع بالْمُباح كالانتفاع بالصّحراء، ولا كذَلِكَ الْمحصون، وعلى هذا فقس سائر الوجوه، فإِنَّها واضحة الْمَعنَى من لَحن الْخطاب، وَالله أَعلَم بالصواب.
الْمَسأَلَة الثالثة: في حكم الركاز
وقد اتفقوا في الْجُملَة أنّ في الركاز الْخُمس؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُس»، ثُمَّ اختلفوا بعد ذَلِكَ في أمور:
الأمر الأَوَّل: في مقدار الرّكاز الذي يُخرج منه ذَلِكَ
فعند أصحابنا أنّ فيه الْخُمس، قلّ أو كثُر، ما لَم يبلغ في القلة أقلّ من خَمسة دوانق، فإن بلغ ذَلِكَ فلا خُمُس فيه كالغنيمة؛ لأَنَّ أقلّ ما يُمكن خُمُسَه خَمسةُ دوانيق وما دونَها فلا يُخمَّس؛ لأَنَّ الدّانق أقلّ صرف عِندَهم في الزمان الأَوَّل، فلذا كان حدا إذ لا شيء دونه، وعلى هذا فلو حدث صرف أقلّ منه، هل يعتبر أن يكون خمسة من ذَلِكَ الأقل؟ وجهان: أصحهما عِندِي الاعتبار؛ لأَنَّ الدانق ليس بِحدّ في نفسه، وَإِنَّمَا حدّ لكونه أقلّ الصرف، فإذا وجد هذا الْمَعنَى في غيره انتقل الْحد إليه، ولا يعتبر صرف النّحاس؛ لأَنَّ الْمَشروط في الكنز كونه من الذّهب والفضّة.