الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ١٦٩وأمَّا إنكار أهل الرأي له فغير مسموع بعد ورود الْحديث الصحيح، مع أنّه قد /215/ قيل: «إنَّ الْخرصَ عُمِلَ بِه في حَياةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى مَاتَ»، ثُمّ أبو بكر وعمر فمن بعدهم، ولَم ينقل عن أحد منهم ولا من التابعين تركه إلاّ من الشعبي.
وأما ادّعاء خصوصيته بذلك؛ لأنَّه موفّق فجوابه من وجوه:
أحدها: أنّ الْخُصوصية لا تثبت إلاّ بدليل.
وثانيها: أنّ هذا مردود بِما يوجد أنّه - صلى الله عليه وسلم - يرسل الْخرّاص في زمانه.
وثالثها: أنه لا يلزم من كون غيره لا يسدّد لما كان يسدد له ترك الاتباع له، ولو كان الْمرء لا يَجب عليه الاتباع إلاّ في ما يعلم أنّه يسدّد فيه كتسديد الأنبياء لسقط الاتِّباع.
وَأَمَّا قولُهم: "إنه يفعل تَخويفا، لئلا يَخونوا لا ليلزم به الْحكم" فمسلم إن صح ذلك، على أن نقول: إنّ الْحكم لا نثبته بنفس الْخرص، وإنّما نثبت التقدير، فنثبت بذلك نفس الوجوب، إذ لو لَم تكن الزكاة واجبة فيه لَما كان للتقدير معنى.
وَأَمَّا قولُهم: "إنّه تَخمين وغرور" فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر، وإدراكه بالْخرص الذي هو نوع من الْمقادير.
وَأَمَّا قولُهم: "أو كان يَجوز قبل تحريم الربا والقمار"؟ فتعقّبه بعضهم: بأنّ تَحريم الرّبا والْميسر متقدّم و«الْخرص عمل به في حياة /216/ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - » حتَّى مات ثُمَّ أبو بكر وعمر فمن بعدهم.
وَأَمَّا قول بعضهم: "إنّه يصح أن تَحصل للثمرة آفة.. . إلخ"؛ فجوابه: أن القائلين به لا يضمنون أرباب الأموال ما تلف بعد الْخرص.
قال ابن الْمنذر: أجْمع كل من نَحفظ عنه من أهل العلم أنّ الْمخروص إذا أصابته جائحة قبل الْجذاذ فلا ضمان، وأقرّه أبو سعيد.
وقال عقبة: إذا ثبت معنى الْخرص باجتهاد النظر من الإمام لتوفير الزكاة، فيشبه معنى الاتفاق أنّه لا زكاة على أرباب الأموال في ما يذهب بِجائحة كما قال.