الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ١٩٨ووجهه: أنّ الدّين بعد الْحكم بالتّفليس يصير في الْمال، وقبل التّفليس يقضى منه أيضا، فلا مَحيد عنه، فهذه جُملة الاعتبارات.
وأمّا الْحجَّة لِمن لَم يُسقطها بالدّين من الكتاب والسنة، فهو:
قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ونَحوه من الآيات والأحاديث الْموجبة للزّكاة. وأنّ السّنّة قد شرطت فيها شروطا ولَم تذكر الدّين، فهي واجبة مع كمال الشروط، كان دين أو لَم يكن.
وأمّا حجَّة الآخرين: لقول عثمان في مَحضر من الصّحابة: "هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤدّ دينه حتّى تَخلص أمواله فيؤدّي منها الزّكاة"، ولَم ينكر عليه أحد. ومن طريق الزهري عن السّائب بن يزيد عن عثمان أنّه خطبنا على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «… فساقه». قالوا: فكان هذا إجْماعا حيث لَم ينكره أحد، على أنّه قد روي القول بإسقاطها بالدّين عن ابن عباس وابن عمر. وأيضا: فإنّ ملكه ناقص حيث كان للغريم أن يأخذه إذا ظفر بِجنس حقّه، فصار كَمَالِ الْمكاتب.
فهذه الْمعاني كلّها مُخصّصة للأدلة الدّالة على وجوب الزّكاة في الْجملة، وقاضية بأنّ فراغ الذّمّة من الدّين شرط لوجوبِها، كحصول النّصاب وتَمام الْحول.
وعورض الْمنقول عن عثمان بوجهين:
أحدهُما: أنّ راوي ذلك قال: يشبه أن يكون عثمان إنّما أمر بقضاء الدّين قبل حلول الصّدقة في الْمال. وقوله: "هذا شهر زكاتكم"، أي: الذي إذا مضى حلّت زكاتكم.
وثانيهما: أنّ كلام عثمان قد روي من طريق آخر بلفظ غير الأوّل، وذلك قوله: "من كان عليه دين فليقضه وأدّوا زكاة بقية أموالكم".
قالوا: فقوله "زكّوا ما بقي من أموالكم" دليل على وجوب الزّكاة عليه قبل ذلك.
والْجواب عن الأوّل: أنّ قول "يشبه. .إلخ" صريح في أنّه قال ذلك بِمحض الظنّ والتّأويل، وهو مُخالف لظاهر الْمنقول.