الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٢٠٩وقال أبو مُحمّد: لا يبرأ ولا يزول عنه الضّمان، قال: فإن قيل: ولِم لا يزول عنه الضّمان وقد صارت إلى الفقراء؟ أُجِيبَ: بأنّه لَمّا وثب عليها الْجبّار وأخذها متعدّيا على أخذها منه، كان عليه ضمانُها لصاحبها، ولا يَجوز أن يكون لصاحبها ضمانُها والفرض زائل عنه.
هذا كلامه، وهو مناقض لِما تقدّم عنه في ما غصب، فإنّ هذا مبنِيّ على أنّها ضمانة في الذّمّة، والأوّل على أنّها شريك كما صرّح به في ما تقدّم؛ وتعليله بأنّ السّلطان ضامن لربّ الْمال لا يصحّ إلاَّ على قول من جعلها في الذّمّة.
أمّا على قول الآخر فينبغي أن يكون الضّمان على السّلطان للفقراء لا لربّ الْمال، وهو ظاهر كما ترى. ولَعَلَّ أبا مُحمّد تغيّر اجتهاده، فقال مرّة بِهذا وتارة بِهذا، كما هو حال الْمجتهدين في كثير من الأحوال.
وإن أخذها الفقراء من غير أمره، فإمّا أن يأخذوها على سبيل الغصب والتلصّص، وإمّا أن يأخذوها على سبيل الإدلال على صاحبها.
فإن أخذوها على الوجه الأول: فقيل: لا يُجزئه ذلك، حتى قال بعضهم: لا أعلم فيه اختلافا.
وإن أخذوها على الوجه الثانِي: فقيل: يُجزئه مطلقا؛ لأنّه حقٌّ وصل أهله، وهذا على قول من جعلها شريكا. وَقِيل: لا يُجزئه مطلقا، إذ لا يزول فرضها إلاّ بالقصد إلى إخراجها؛ لأنّها في ضمانته، وهي من جُملة عبادته، ولأنّها مال الله تعالى، ولأنّه ولِيَ إنفاذَها عند عدم الإمام فيصرفها حيث شاء، ويعوّض عنها من شاء، ولأنّه لو تلف ذلك كان ضامنا لَها.
وهذا كما ترى مبني على قول من جعلها ضمانة في الذّمّة. وَقِيل: إن رضي، وأتَمّ لَهم أجزأه، وإن لَم يرض لَم يَجُز.
وذلك أنّه إذا أتَمّ لَهم فكأنّها خرجت عن رأيه؛ لأنّ أخذهم معلّق برضاه، فإن رضي كان إنفاذا صحيحا، وإلاّ فهو مردود إليه، فهو بِمنزلة الشّيء الْمشروط تَمامه على وجود غيره.