معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 1 في الطهارات

الجزء ٢ · صفحة ٨١

وهَذَا الْحَدِيث دَلِيل لأَصحَابِنَا من أهلِ المغرب عَلَى قولِهم بكراهيَّة الزيادة عَلَى الوَاحِدَة في العضوِ الْمَمسُوح.

قُلنا: يَحتمل أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - /170/ مَسح مَرَّةً لِبيان الْجَوَاز إذ الظَاهِرُ لَو كَانَ الْمَسح مَرَّةً وَاحِدَة هُو المسنون لَبُيِّن في غالب الأحادِيث.

وعَن عَمرو بن العاص: قالَ رَجل: يا رَسُول الله، كَيف الطهورُ؟ فدعا بإناء فيه ماء فغسلَ كَفَّيه ثَلاَثًا، ثُمَّ غسلَ وجهَه ثَلاَثًا، ثُمَّ غسلَ ذراعيه ثَلاَثًا، ثُمَّ مَسح رأسه، فأدخل إصبعيه السبابتين فِي أُذُنَيه ومَسحَ بإبْهَامَيه عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيه، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَيهِ ثَلاَثًا ثَلاَثًا، ثُمَّ قالَ: «هَكَذَا الْوُضُوء، فمَن زادَ عَلَى هَذَا أو نَقص فَقَد أساءَ أو ظَلَم»، أو قَالَ: «ظلَم وَأَسَاءَ» أي: من زادَ عُضوا أو نقص آخر. وقِيلَ: يَجُوزُ مَسح الرقَبة.

وانظر في وجهِ إجازة مَسح الرقَبة بل وفي استحبابه مع هَذَا الْحَدِيث، ولعلَّ مَن استحبَّه قَد اعتمَد عَلَى حديثٍ عنده، أو أنَّ الْمُرَاد: مِن زادَ عَلَى هَذِهِ الأَعضَاء زيادةً كَزيادة الْوُضُوء فأدخَلها في حُكم الْوُضُوء، فإنَّ مَن زاد زيادة عَلَى هَذَا الوصف فَهو ظالِم هَالك؛ لأَنَّ مَن زاد عَلَى المشروعِ شَيئًا وأدخله فيه فهو في حُكم من نَقص مِنه ما كَانَ دَاخلا فيه.

وحاصلُ ذَلِكَ: أنَّ مَن جعل مَسح الرقبة مِن جُملَة أعضاءِ الْوُضُوء الْمَشرُوع طهورهَا فَهو الْمُعتدي الظالِم، وَأَمَّا مَن استحبَّ ذَلِكَ مِن غَيْر أن يَجعلها مِن الْمَشرُوع فلاَ إساءة ولا ظُلم، وَالله أَعلَم.

وفي هَذِهِ الأحاديث كُلِّهَا التصريح بغسلِ الرجلين، فَلا عِبرة بِمَن قَالَ: يُمسَحَان عِند الْوُضُوء كما تَقَدَّمَ بَيان ذَلِكَ.

وفيها أَيضًا: الترتيبُ والْمُوَالاَة، فَهي أَدِلَّة عَلَى أنَّ الترتيب والْمُوَالاَة مِن السُّنَن.

٣٠٩ / ٣٬٧٥٢