الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٢٥٩فمعنَى قوله: «خَشْيَةَ الصّدَقَةِ» أي: خشية أن تكثر الصّدقة، أو خشية أن تقل الصّدقة، فلمّا كان مُحتمِلا للأمرين لَم يكن الْحمل على أحدهِما بأولى من الآخر، فحُمِل عليهما معا، لكنّ الّذي يظهر أنّ حَمله على الْمالك أظهر.
وحَمله على الْجانبين هو الْمعنى الذي اعتمده صاحب الإيضاح -رحمة الله عليه-، وكذلك قال أبو ثور، وأبو عبيد.
والقول الثالث لأبي حنيفة قال: لا يفرّق بين مُجتمع، يكون لرجل عشرون ومائة شاة ففيها شاة، فإذا فرّقت أربعين ففيها ثلاث شياه.
وقوله: «لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرّق» فالرّجلان بينهما أربعون شاة، فإذا اجتمعت كان فيها شاة، وإن افترقت لَم يكن فيها شاة.
وذكر أبو الوليد عن أبي بكر الْموصلي قال: لا يفرّق بين مُجتمع، ولا يُجمع بين مفترِق حذَارَ الصّدقة. قال: الْمجتمع هو الْمشاع، والْمفترق هو الْمقسوم، وليس يَجتمع غير الْمشاع، وإن جَمعه الْمربض والْمحلب.
وهذا القول لَم يعرض على أبي سعيد، غير أنّ قائله وناقله إمامان في الْمذهب.
وقال ابن حنبل: من كان له ماشية ببلد لا تبلغ النّصاب كعشرين شاة مثلا بالكوفة، ومثلها بالبصرة: أنّها لا تضمّ باعتبار كونِها ملك رجل واحد، وتؤخذ منها الزّكاة لبلوغها النّصاب؛ لأنّه لا يُجمع بين متفرّق ولا يفرّق بين مُجتمع.
وخالفه الْجمهور، فقالوا: يُجمع على صاحب الْمال أمواله ولو كانت في بلدان شتّى، ويُخرج منها الزّكاة، والله أعلم.
التنبيه الثاني عشر: في الْخلطة
والْمراد بها خلطة الْجوار، ويعبّر عنها بِخلطة الأوصاف: وهي أن يكون مال كلّ واحد معيّنا متميّزًا عن مال غيره، ولكن يُجاوره مُجاورة الْمال. وهي أعمّ من خلطة الشّيوع الْمعبّر عنها بالشّركة في ما تقدّم.
ولَها عندنا -معشر الْمشارقة- وعند الشّافعية، وأحمد، وأصحاب الْحديث أثرٌ في الزّكاة كالشّركة، فتوجبها مرّة، وتقلّلها أو تكثّرها أخرى.