الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٢٩٧ويُمكن أن يقال: إنّما فعل ذلك - صلى الله عليه وسلم - ليغيظ العدوّ، وليعلم الْمُسلم منهم بفرضها، وقد كان في مكّة قبل الْهجرة مسلمون.
والْجواب: أنّ حاله - صلى الله عليه وسلم - قبل الْهجرة تنافي هذا الإمكان، فإن كان مأمورا بالإعراض والصّلح عنهم كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، وأنّ الْمسلمين كانوا بِمكّة قليلين لا يَحتاجون في تعريف الأحكام إلى الْمنادي، فظهر وجه الاحتمال الْمذكور.
ولئن ثبت بالنّقل الصّحيح، ففيه دليل على استمرار وجوبِها؛ لأنّ الفتح كان بعد مشروعيّة زكاة الْمال إجْماعا، وحينئذ فيشكل قول قيس بن سعد "فلمّا نزلت لَم يأمرنا ولَم ينهنا".
ويُجاب: بأنّه أخبر عمَّا علم، وأنّ الْمنادي كان في مكّة، وقيس في الْمدينة، فلا يدع إن اختفى عليه ذلك، والله أعلم.
الْمسألة الثانية: في الْحكمة الّتِي لأجلها شُرِعت زكاة الفطر
والْحكمة في ذلك شيئان:
أحدهُما: طهر الصّوم من اللّغو والرّفث.
والثاني: إغناء الْمساكين ليتفرّغوا للعبادة والشّعائر الإسلاميّة في ذلك اليوم.
والدليل على الأمرين: حديث ابن عباس قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصِّيَامِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلمَسَاكِينِ».
أمّا اللّغو: فهو ما لا يعنِي. وَقِيل: الباطل. وَقِيل: الْمُراد به القبيح. والأوّل في معنَى الْحديث أظهر.
وأمّا الرّفث: فهو في الأصل ما يَجري من الكلام بين الرّجل والْمرأة تَحت اللّحاف، ثُمّ استعمل في كلّ قول لا يَحسُن ولا يليق.
وأمّا قوله «طُعْمَةً لِلمَسَاكِينِ» فهو ما يعطى الْمسكين ليأكله، وذلك ليكون قوتُهم يوم العيد مهيّأ، تسويةً بين الفقير والغنِيّ في وجدان القوت ذلك اليوم.
قال أبو سعيد: وذلك لفضل يوم العيد، ووجوب حقّه، وعظم قدره عند الله تعالى.