الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٣٤٣وقيل: يتخيّر إن شاء أخرجه عن نفسه، وإن شاء عن غيره، وهو وجه في كتب الشّافعية، والظّاهر أنّه لا تَخيير؛ لأنّ الفرض يلزمه بالقدرة، وقد قدر على الإخراج عن نفسه، ولَم يُخاطب بالإخراج عن غيره، فلزمه الفرض عن نفسه حيث كان قادرا، فليس له أن يعدل عن الفرض إلى النّفل، وذلك أنّه يكون في حقّ غيره منتفلا، وعندهم وجه ثالث وهو: أنّه يلزمه تقديم الزّوجة،/454/ وهذا أبعد من الأوّل، كيف يُخاطب بالأداء عن زوجته قبل الأداء عن نفسه؟
فإن قيل: إنّ الزّكاة تابعة للمؤنة، وأنّ نفقة الزّوجة ألزم عليه من نفقة نفسه، إذ له أن يقتصر على أشياء ليس له أن يَحملها عليها، قلنا: الزّكاة عبادة وهي مُخالفة للنّفقة، وإن وجبت بوجوب النّفقة في بعض الصور فإنّما تَجب عند السّعة والإمكان، ولا سعة لِمن ملك صاعا مع أنّه مُخاطب فيه بِخطاب، على أنّه لا يُخاطب بالإخراج عن غيره إلاّ بعد الْخطاب بالإخراج عن نفسه، ويقدّم نفسه على العبد قولا واحدا.
وإن فضل معه بعض صيعان وعنده أقارب وزوجة فَقِيلَ: يقدّم الأقارب، وهو أنسب برأي من لا يرى عليه فطرة زوجته، وَقِيلَ: يقدّم الزّوجة؛ لأنّ نفقتها آكد؛ لأنها معاوضة لا تسقط بِمُضيّ الزّمان، وهذا على رأي من أوجب عليه فطرتَها، ثُمّ ولده الصّغير؛ لأنّ نفقته ثابتة بالنّص والإجْماع، ولأنّه أعجز من بعده، ثُم الأب وإن علا ولو من قبل الأمّ، ثُم الأمّ لقوّة خدمتها بالولادة، ثُم الولد الكبير على الأرقاء؛ لأنّ الْحرّ أشرف، وعلاقته لازمة، بِخلاف الْملك فإنّه عارض ويقبل الزّوال، والْمراد بالكبير هاهنا إذا كان لا كسب له وهو زَمِن، أو مَجنون، أو نَحو ذلك. وقيل بتقديم الأم في النّفقة على الأب، والفرق بين البابين أنّ النّفقة لسدّ الْخلّة، والأمّ أكثر حاجة، وأقلّ /455/ حيلة، والفطرة لتطهير الْمخرج عنه وشرفه، والأب أحقّ به، فإنّه منسوب إليه، ويشرف بشرفه.