الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٣٧٤قال الْحسينِي: وفي [شرح] الوجيز للرّافعي حديث عثمان أنّه قال في الْمحرّم: "هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليقض دينه، ثُمّ ليزك ماله". قال الْحافظ في تَخريجه: رواه مالك في الْموطأ، والشّافعي عنه عن ابن شهاب عن السّائب بن يزيد عن عثمان بن عفان: خطبنا على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ»، قال: ولَم يسمّ لِي السّائب الشّهر، ولَم أسأله عنه. قال الْحسيني: ولَم أر لأحد غير الرافعي هذه الْخطبة كانت في الْمحرّم، بل في بعض الروايات أنّها كانت في رمضان، ولكن اشتهر عند الْخاصة والعامة إخراج زكاة الأموال في هذا الشّهر لا سيّما في العاشر منه، وبقي العمل عليه في غالب الأمصار.
وأمّا شهر رمضان فلأنّ الله تعالى خصّه بتنزيل القرآن، وفيه ليلة القدر التِي هي خير من ألف شهر، وجعله زمانا لأداء فرضه الذي افترضه على عباده من الصّيام، وشرفه بِما أظهر فيه من عمارة بيوته بالقيام.
وقال ابن عباس: «كَانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَجودَ النّاسِ، وكانَ أَجوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمضَان حينَ يَلقَاهُ جِبريلُ، وكانَ يَلقَاهُ في كلِّ لَيلَةٍ مِن رَمضَان فَيُدارسهُ القرآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ أَجوَد بِالْخير مِنَ الرّيحِ الْمُرسَلَةِ»، وذكر الْحسيني /492/ لِهذا الْحديث فوائد:
منها: أنّ جوده - صلى الله عليه وسلم - في رمضان يفوق على جوده في سائر أوقاته.
ومنها: أنّ الْمراد من مدارسته للقرآن مع جبريل -عليه السّلام- مقابلته على ما أوحاه إليه من الله تَعالَى ليبقى ما بقي، ويذهب ما نسخ توكيدا واستئناسا وحفظًا، ولِهذا عرضه في السّنة الأخيرة على جبريل مرّتين، وعارضه به جبريل كذلك، ولِهذا فهم - عليه السلام - اقتراب أجله.