معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 4 في الزكاة

الجزء ٩ · صفحة ٣٧٧

وفي القواعد: أنّ سبب الْخلاف: هل هي عبادة أو حقّ للمساكين؟ فمن قال عبادة وشبّهها بالصّلاة لَم يُجز إخراجها قبل الوقت، ومن شبّهها بالْحقوق الواجبة الْمؤجّلة أجاز إخراجها قبل الوقت على جهة التّطوّع بالتّعجيل. /495/

وفيه أنّها جامعة للمعنيين، فلا يُمكن إلغاء واحد منهما، ثُمّ إنّ السّبب في الوجوب هو الْمال النّامي بكونه حوليّا، فلا يَجوز التّقديم على الْحول، كما لا يَجوز التّقديم على أصل النّصاب.

وأيضا: فإنّ الأداء إسقاط للواجب عن ذمّته، ولا إسقاط قبل الوجوب، فصار كأداء الصّلاة قبل الوقت.

وأجازت الْحنفيّة لِمن ملك نصابا أن يقدّم لنصب كثيرة، وليست في ملكه بعد. قالوا: لأنّ حولَها قد انعقد، ولِهذا يضمّ إلى النّصاب فيزكّى بِحوله. وخالفهم زفر فقال: كلّ نصاب أصل بنفسه في حقّ الزّكاة، فيكون أداء قبل وجود السّبب.

واحتج الْمرخّصون بِما روى أصحاب السنن من حديث علي: «أنَّ العَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي تَعجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَن تَحلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ». وعن أبي رافع: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ لِعمر: «إنَّا كُنَّا تَعَجَّلنَا صَدَقَةَ مَالِ العَبَّاسِ الْعَام الأَوَّل».

وأيضا: فإنّ الزّكاة حقّ مالِيّ أُجِّل رفقا، فجاز تعجيله قبل مَحلّه كالدّين الْمؤجّل، وككفّارة اليمين قبل الْحنث.

واستدلّ ابن العربي بقوله تَعالَى: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾، وبقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، وبقوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - في مَنْ أَتَى بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْألَهَا، فَعظَّمَ مَا فِيهَا مِنَ الأَجرِ عَلَى مَنْ أَتَى بِالشَّهَادَةِ بَعْدَ أَن طُولِبَ فِي أَدَائِهَا.

٣٬٢٣٢ / ٣٬٧٥٢