الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٤٢٨ومن كان تاجرا له دين على النّاس لا يقدر على أخذه، ولا يَجد شيئا يَحلّ له أخذ الزّكاة؛ لأنّه فقير يدا كابن السّبيل. قال بعضهم: وهو أولى من جعله غارما، والله أعلم.
تنبيهات:
الأوَّل: في معرفة أهل هذه الأصناف
وذلك أنّ الصفات قسمان: خفيّة وجليّة: فأمّا الْخفيّة فكالفقر والْمسكنة. وأمّا الْجليّة فسائر الأحوال.
وحكم الْخفيّة أن يؤخذ بقول صاحبها: إنِّي فقير أو مسكين، ولا يطالب ببيّنة لعسرها، وإن عرف له مال فادّعى هلاكه طولب بالبيّنة لسهولتها. ولَم يفرّقوا بين دعواه الْهلاك بسبب خفي كالسّرقة، أو ظاهر كالْحريق.
وإن قال: "لي عيال لا يفي كسبِي بكفايتهم" طولب بالبيّنة على العيال عند بعض قومنا. وعندي أنّه لا يطالب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - للرّجلين الْجلدين: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلاَ لِقَوِيٍّ مُكْتَسِب»، وذلك بعد ما رفع فيهما بصره وخفضه، وما ذاك إلا لأنّه ارتاب من أمرهم، مع ذلك فقد استأمنهما على حالِهما، وجعل العطاء معلّقا بِمشيئتهما، وإن قال: "لا كسب لي"، وحاله يشهد بصدقه، فإن كان شيخا كبيرا، أو زمنا أعطي بلا بيّنة، ولا يُحلّف وإن كان قويّا /555/ جلدا، بل يَجوز اعتماد قوله إذا لَم يعلم كذبه بشهادة الْحال.
وإن قال: "لا مال لي"، واتّهمه الإمام فهل يُحلّف؟ وجهان أصحّهما: لا.
فإن حلّفناه فهل هو واجب أو مستحبّ؟ وجهان.
فإن نكل، وقلنا: اليمين واجبة لَم يعط، وإن قلنا: مستحبة أعطي ولا معنَى للوجوب؛ لأنّما هو ضرب من الاحتياط.
وأمّا حكم الصّفات الْجليّة فإن اشتهرت جاز إعطاء صاحبها، وإن لم تشتهر طولب السّائل بالبيّنة، فإذا ادّعى العامل العمل طولب بالبيّنة، وكذلك يطالب بِها الْمكاتب والغارم، فلو صدّقهما الْمولى وصاحب الدّين كفى.