الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٤٣٢ووجه الاستدلال: أنّه أمرهم بشرب ألبانِها، وهي إبل الصّدقة وهم صنف واحد من الأصناف، فدلّ ذلك على جواز صرفها إلى صنف واحد.
واعترض: بأنّ غاية ما يفهم منه للإمام أن يَخصّ بِمنفعة مال الزّكاة دون الرّقبة صنفا دون صنف بِحسب الاحتياج.
والْجواب: إذا جاز ذلك في الْمنفعة جاز في الرّقبة؛ لأنّ الْمعنَى واحد.
قالوا: ليس في الْخبَر تصريح بأنّه لَم يصرف من ذلك شيئا لغير العرنيين، فليست الدلالة منه لذلك بظاهرة أصلا.
قلنا: الْمتروك ليس بِحجّة، وإنّما الْحجّة في الْمنقول، ولو كان - صلى الله عليه وسلم - وزّع الْمنفعة لذكرت ونقلت، كما نقل أمر العرنيين بذلك. قال أبو عبيد: ومِمّا يدلّ على صحّة ذلك «أنّ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أتاه بعد ذلك مال فجعله في صنف واحد» وهم الْمؤلّفة قلوبُهم، الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة بن علاثة، وزيد بن الْخيل، قسّم فيهم الذّهبية التِي بعث بِها معاذ من اليمن، وإنّما تؤخذ من أهل اليمن الصّدقة. ثُمّ أتاه مال آخر فجعله في صنف آخر وهم الغارمون، فقال لقبيصة بن الْمخارق حين أتاه وقد تَحمّل حَمالة: «يَا قُبَيْصَة، أَقِمْ حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا»، وفي حديث /560/ سلمة بن صخر البياضي: «أَنَّهُ أَمَرَ لَهُ بِصَدَقَةِ قَوْمِهِ».
وأمّا الآثار: فعن ابن عبّاس في قوله تَعالَى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ…﴾ الآية، في أيّ صنف وضعته أجزأك.
وعن عمر بن الْخطّاب قال: "أيّما صنف أعطيته من هذا أجزأ عنك".
وعن عطاء عن عمر أنّه كان يأخذ الفرض من الصّدقة فيجعله في صنف واحد. وعن حذيفة أنّه قال: إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك.
وقال الطحاوي، وابن عبد البر: لا نعلم لابن عباس وحذيفة في ذلك مُخالفا من الصّحابة.
وقال أبو بكر الرّازي: لا يروي عن أحد من الصّحابة خلافه. وقال غيره: لَم يرو عن غيرهم من الصّحابة خلاف ذلك فكان إجْماعا.