الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٤٤٧والْمذهب عندنا: أنّ من استغنَى بِمال أو احتيال كان غنيّا، ولا تَحلّ له إلاّ إذا كان متفقها، ويَمنعه الاشتغال بالكسب عن النّفقة، فإنّها تَحِلّ له لفقره، واشتغاله بِما يعود نفعه للإسلام، وكذلك إن قدر على الكسب لا يليق بِمروءته وبِحال مثله، فإنّه تَحلّ له لفقره؛ لأنّ الْمحافظة على الْمروءة من الدّين، وأمّا إن كان متعبّدا يَمنعه الكسب من وظائف العبادات، وأوراد الأوقات فليكتسب؛ لأنّ الْكسب أولى من ذلك، قال - صلى الله عليه وسلم - : «طَلَبُ الْحَلاَلِ /577/ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ»، وأراد به السّعي في الاكتساب.
حجّة الأولين: حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ تَحِلُّ الصّدَقَةُ لِغَنِيّ وَلاَ لِذِي مِرّة سَوِيّ»، والْمِرّة (بكسر الْميم وتشديد الرّاء): القُوَّة؛ أي: ولا لقوي على الكسب، وقوله: "سويّ"؛ أي: صحيح البدن، تام الْخِلقة.
وأُجيب: بأنّ فيه نفي كمال الْحل لا نفس الْحلّ، أو لا تَحلّ له بالسّؤال.
وفيه: أنّ نفي كمال الْحلّ لا يعهد، بل الْمعروف من هذا اللّفظ نفي الْجواز وبقاء التّحريم، وتقييد الْحِرمة مع السّؤال لا دليل عليه في هذا الْموضع، فإنّ السّؤال حرام معه ومع غيره.
وأمّا حجّة أهل الرّأي فقوله تَعالَى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ﴾، وأنّ من لَم يَملك نصابًا فهو فقير؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لِمعاذ: «خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِم»، فمن كان له نصاب فهو غنِيّ تؤخذ منه، ومن ليس كذلك فقير تردّ إليه، وأمّا قول يعقوب فينبئ عن الكراهة فقط.
وفيه: أنّ في الْحديث نفي الْحل، وبنفيه يرتفع الْجواز فيبقى التّحريم.
ويُجاب: بأنّا لا نسلّم بقاء التّحريم من نفي الْجواز؛ لإمكان أن يبقى مطلق الْمنع، والكراهيّة داخلة فيه. وفيه: أنّ الظّاهر غير ذلك، فلا يعدل عنه إلاّ بدليل.