الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٤٧٨وهو إمّا أن يعلم أنّه غنِيّ أو لا؛ فإن علم أنه غنيّ لَم يُجزئه ذلك إجْماعا؛ لقوله تَعالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء…﴾ الآية، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: «خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِِِمْ وَرُدَّهَا في فُقَرَائِهِمْ»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيّ وَلاَ لِذِي مرَّة سَوِيّ»، وإن لَم يُعلم غناه فأعطاه على ظاهر الفقر ثُم تبيّن غناه، فَقِيلَ: يُجزئه ذلك؛ لأنّ الله تَعالَى إنّما تعبّده بأن يدفع الصدقة إلى فقير عنده، ولَم يكلّفه أن يعلم ما غاب عنه، وبه قال الْحسن البصري وأبو عبيد وأبو حنيفة، وبه جزم أبو مُحمّد، وقيل: لا يُجزئه ذلك، وهوقول سفيان الثوري، والْحسن بن صالِح، ويعقوب، وقال الشافعي: فيه قولان: أحدهُما: أنّه يضمن، والآخر: لا يضمن، قال ابن الْمنذر: الأصح لا يضمن. وظاهر كلام أبي سعيد: أنّ أكثر القول في الْمذهب الضّمان.
ووجهه: أنّه أخطأ في الإنفاذ، وأنّ الْخطأ في الأموال مضمون، وفيه: أنّه خطأ في عبادة لا في مال؛ إذ ليست الزّكاة كحقوق العباد بل كسائر العبادات، والْخطأ في العبادات لا يوجب الضّمان، ويُجاب بأنّه إن لَم يوجب الضّمان فقد أوجب الإعادة، ولَم تتجرّد الزّكاة من معنَى الْمؤنة ففيها مع كونِها عبادة حقّ للعباد.
وفي كلام الْحنفيّة تفصيل لا بأس به، وهو أنّه إذا تَحرّى أنّه مصرف ودفع فهو جائز، أصاب أو أخطأ عند أبي حنيفة ومُحمّد خلافا لأبي يوسف إذا تبيّن خطؤه، وإذا فعله ولَم يَخطر بباله أنّه مصرّف أم لا، فهو على الْجواز إلاّ إذا تبيّن أنه غير مصرّف، وإذا دفعها /610/ وهو شاكّ ولَم يتحرّ، أو تَحرّى ولَم يظهر له أنّه مصرف، أو غلب على ظنّه أنّه ليس بِمصرف فهو على الفساد إلا إذا تبيّن أنّه مصرف، وهو كلام حسن. قال أبو مُحمّد: فإن وجدها قائمة في يده أخذها منه إن قدر على استرجاعها بِحكم أو غيره وسلّمها إلى فقير.