الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٤ومنها: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ فإنَّه يَدُلُّ على أن هذا الصَّوْم واجب على التخيير؛ يعني: إن شاء صام وإن شاء أعطى الفدية. وأمَّا صوم رمضان فإنَّه واجب على التعيين فوجب أن هنالك أياما تصام غير رمضان.
وَأُجِيبَ عن الأوَّل: بأَنَّهُ ليس في الخبر أن رمضان نسخ عنه وعن أمته كلَّ صوم، فيحتمل أن يكون المراد أَنَّهُ نسخ /6/ كلَّ صوم واجب في الشرائع المتقدمة.
وَأُجِيبَ عن الثاني: بأن الأيام وإن كانت جمع قِلَّة، وأنَّ حقيقتها في ما دون العشرة فإن ذلك لا يمنع من استعمالها في الكثرة مجازا لقرينة، والقرينة هنا قائمة وهي تفسيرها بشهر رمضان. وكونها معدودة لا يستلزم قلتها بل المراد أَنَّهُا مضبوطة بالحساب، فإن ضبطها من التعبد. وتفسيرها بالشهر مستقيم؛ لأَنَّهُ تعالى قال أوَّلاً ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وهذا محتمل ليوم ويومين وأيام، ثُمَّ بينه بقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ فزال بعض الاحتمال، ثُمَّ بينه بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره وإثبات النسخ فيه؛ لأنَّ كلَّ ذلك زيادة لا يَدُلُّ اللفظ عليها.
ثُمَّ قولكم: "إن هذه الأيام لو كانت هي شهر رمضان لكان حكم المريض والمسافر مكررا".
جوابه: أنَّ في الابتداء كان صوم شهر رمضان ليس بواجب معين، بل كان التخيير ثابتا بينه وبين الفدية، فلمَّا رخص للمسافر في الفطر أمكن أن يظن أن الواجب عليه الفدية دون القضاء، وأن يظن أن لا فدية عليه ولا قضاء لمكان المشقة التي يفارق بها المقيم، فبيّن تعالى أن إفطار المسافر والمريض في الحكم /7/ خلاف التخيير في حكم المقيم.