الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ١١٢- الوجه الثاني: مِن احتِجَاج الْمشترطين للتَّرتِيب قالوا: وقعت البداءة في الذكرِ بِالوجه، فوجبَ أَن تقع البداءة به في العمَل؛ لِقَولِه تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، ولِقَولِه عَلَيهِ الصَّلاَة والسلام: «ابدَأُوا بِمَا بَدَأ اللهُ بِه»، وهَذَا الْخَبر وَإِن وردَ في قصَّة الصفا والْمَروة إِلاَّ أنَّ العبرةَ بعموم اللفظ لاَ بِخصوص السبب، أَقصى ما في الباب أَنَّهُ مَخصُوص في بَعْض الصور، لَكن العام حجَّة في غَيْر مَحَلِّ التخصيص.
- الوجه الثَالِث: إنَّهُ تَعَالَى ذكر هَذِهِ الأَعضَاء لا عَلَى وفق التَّرتِيب الْمعتبر في الْحُسن، ولا عَلَى وِفق التَّرتِيب الْمعتبر في الشرع، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أنَّ التَّرتِيب وَاجب.
بيان ذَلِكَ: أنَّ التَّرتِيب الْمُعتَبَر في الْحُسن أَن يبدأ من الرأس نَازلا إلى القدمِ، أو مِن القدم صاعدا إلى الرأس، والتَّرتِيب الْمَذكُور في الآية لَيس كَذَلِكَ، وَأَمَّا التَّرتِيب الْمُعتَبَر في الشرع فهو أَن يَجمع بين الأَعضَاء الْمَغسُولَة ويُفرد الْمَمسوحة عَنها، والآية لَيست كَذَلِكَ فإنَّه تَعَالَى أَدرج الْمَمسوح في أثناء الْمغسولات، فهَذَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ التَّرتِيب واجب؛ لأَنَّ إهْمَال التَّرتِيب في الكَلاَمِ مُستَقبح، فَوجب تنزيه كَلاَم الله تَعَالَى عَن تَرك العمل به فيمَا إذا صار مُحتملا للتنبيه، عَلَى أنَّ ذَلِكَ التَّرتِيب وَاجب، فيبقى في غَيْر هَذِهِ الصورة عَلَى وِفق الأصل.
الوجه الرابع: أنَّ إيجاب الْوُضُوء غَيْر مَعقول الْمَعنَى، وذَلِكَ يَقتضي وُجُوبِ الإتيان به عَلَى الوجه الذي ورد في النصِّ.
وبيان كونه غَيْر مَعقول: أنَّ الْحَدث يَخرج من مَوضِع، والْوُضُوء يَجب في مَوضِع آخر وهو خِلاَف الْمعقول.