الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٢٣وأمَّا عذوبة البحر في تلك الليلة فلا يستلزم استمرارها على ذلك بل ذلك موافقة حال في تلك الليلة خاصة.
القول التاسع: إنَّهَا ليلة تسع وعشرين. وقيل: آخر ليلة من الشهر.
ويتداخل هذا القول مع الذي قبله إذا كان الشهر ناقصا. وروي في ذلك خبر مرفوع من طريق معاوية قال: «التَمِسُوا لَيْلَةَ القَدْرِ آخِرَ لَيلَةٍ مِن رَمَضَان».
وبعضهم استدلَّ على ذلك بأَنَّهَا الليلة التي تتمّ فيها طاعات هذا الشهر، بل أوَّل رمضان كآدم، وآخره كمحمَّد، ولذلك روي في الحديث: «يُعْتَقُ فِي آخِرِ رَمَضَانَ بِعَدَدِ مَا أُعْتِقَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْر».
أمَّا الحديث إن صح فلم يزد على الأمر بالالتماس، وذلك لا يفيد تعيينا بل نفس رجاء، وهي إنَّما تلتمس من الشهر كلّه، لكن الظن يغلب أَنَّهَا في أواخره للأحاديث الواردة بذلك.
وأمَّا قياس آخر الشهر بآخر الأنبياء فلا يتم.
سلمنا، فلا يدلُّ ذلك على /32/ أن فيه ليلة القدر.
ثُمَّ إنه - صلى الله عليه وسلم - قد قطع النزاع في ذلك، ففي حديث أبي هريرة المتقدم في ذلك فضائل الشهر، قيل: "يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟" قال: «لاَ، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَه».
الأمر الخامس: في الحكمة في إخفاء ليلة القدر
وقد قيل: إنَّ الحكمة في ذلك ليُعَظِّم الناس جميع ليالي الشهر؛ ولأنَّ العبد إذا لَم يَتَيَقَّن ليلة القدر فإنه يجتهد في الطاعة في جميع ليالي رمضان على رجاء أَنَّهُ رُبَّما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر، فيباهي الله تعالى بهم ملائكته، ويقول: "كنتم تقولون فيهم: يفسدون ويسفكون الدماء، فهذا جِدّه واجتهاده في الليلة الْمظنونة، فكيف لو جعلتها معلومة له"، فحينئذ يظهر سر قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.