الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٣٣الصنف الأَوَّل: جعلوا الفجر الحمرة التي تكون بعد الأبيض، وهو نظير الشفق الأحمر بعد الغروب. وزعموا عن علي: أَنَّهُ صلى الفجر ثُمَّ قال: "هذا حين تبين الخيط الأبيض، وكان وقت الحمرة في زعمهم". وزعموا مثله عن حذيفة وابن مسعود. وأنَّ حذيفة لَمَّا طلع الفجر تسحّر ثُمَّ صلّى. وقال مسروق: /45/ لم يكونوا يَعُدُّون الفجر فجركم هذا، إنَّما كانوا يعدّون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
وهي أمور بعضها باطل كالْمروي عن حذيفة، وبعضهما يحتمل أن يكون الْمراد به الوقت الْمختار للصلاة عند ذلك القائل، ووقتها متَّسع من أول الفجر إلى طلوع قرن من الشمس فهو نظير «أسفروا بالفجر».
وأوَّل وقت الصَّوْم لا يمكن فيه الاتساع فإن له حدا معلوما وهو تبيُّن الفجر، وبذلك يضيق الحال في الإفطار، ويحرم الأكل ونحوه.
فالصحيح: ما عليه إجماع الناس، وهو قول أبي عبيدة والعامَّة من الفقهاء.
والصنف الثَّانِي: جعلوا طلوع القرص أوَّل وقت الوجوب، وإمام هذه الْمقالة الأعمش، وهو رجل من قومنا في عصر أبي حنيفة قال: يَحِلُّ الأكل والشرب والجماع بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس قياسا لأول النهار على آخره، فكما أن آخره بغروب القرص وجب أن يكون أوَّله بطلوع القرص. وقال في الآية: إن الْمراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود النهار والليل، ووجه الشبه ليس إلا في البياض والسواد، فأمَّا /46/ أن يكون التشبيه في الشكل مرادا فهذا غير جائز؛ لأنَّ ظلمة الأفق حال طلوع الصبح لا يمكن تشبيهها بالخيط الأسود في الشكل البتَّة؛ فثبت أن الْمراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود هو النهار والليل.