الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٣٤قال: ثُمَّ لَمَّا بحثنا عن حقيقة الليل في قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ وجدناها عبارة عن زمان غيبة الشمس، بدليل أنَّ الله تعالى سَمَّى ما بعد الْمغرب ليلا مع بقاء الضوء فيه. فثبت أن يكون الأمر في الطرف الأول من النهار كذلك، فيكون قبل طلوع الشمس ليلا، وألاَّ يوجد النهار إِلاَّ عند طلوع القرص، هذا تقرير قول الأعمش.
وَجَوَابُه: أَنَّهُ تقرير باطل، وتأويل بعيد، وقياس فاسد الاعتبار؛ لِمخالفته الكتاب والسنة والإجماع.
يقول الله -عز من قائل-: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، ويقول الأعمش: "بل من طلوع الشمس". والأحاديث متواترة الْمعْنَى بوجوب الصَّوْم من طلوع الفجر، والإجماع على ذلك، فلا يلتفت إلى ما زخرفه من الأباطيل في تحريف التأويل.
على أنَّ غاية ما عنده صرف ظاهر الكتاب إلى قياسه الفاسد، فتكلَّف ما تكلَّفه من صرف الآية عن ظاهرها ليصحَّ قياسه، وهيهات فإن النصوص تفضحه.
وكيف يسوغ له قياس /47/ أوَّل النهار بآخره ولا جامع بينهما إِلاَّ كونهما طرفي الوقت، فيلزمه على ذلك جعل كلّ طرفين من الزمان متساويين، ويَجب عليه أن يجعل أوَّل الليل كآخره في كُلّ شيء، وأنت تدري أن قيام الثلث الأخير من الليل ليس كقيام أوَّله، ويلزم عليه أمور يطول ذكرها.
وحكي أنَّ أبا حنيفة دخل على الأعمش يعوده، فقال له الأعمش: إنَّك لثقيل على قلبي وأنت في بيتك، فكيف إذا زرتني؟ فسكت عنه أبو حنيفة. فلمَّا خرج من عنده قيل له: لِمَ سكتَّ عنه؟ فقال: وماذا أقول في رجل ما صام وما صلى في دهره، عنِّي به! إنَّهُ كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل طلوع الشمس فلا صوم له، وكان لا يغتسل إِلاَّ من الإنزال فلا صلاة له، والله أعلم.
الْمَسْأَلَة الثالثة: في الغروب الْموجب للإفطار