الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ١١٧قُلتُ: ويُبحث في الاحتِجَاج الثاني أَيضًا بأنَّ الْحِكمَة في شرع التَّيَمُّم التخفيف، ومن جُملَة التخفيف عدم إيصال التراب إِلَى مَنابت الشعر، فلا يَجِب أن يُشاركه الْوُضُوء في هَذِهِ الخاصيَّة، فيسقط الاحتِجَاج بذَلِكَ.
وَحُجَّة القائلين بوُجُوبِ إيصال الْمَاء إِلَى أصول شعر اللِّحيَة، قوله تَعَالَى: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهكُمْ﴾ قَالُوا: والوجه اسم للجلدَة الْممتدَّة مِن الْجَبهَة إِلَى الذقن.
ورُدَّ: بأنَّ الوجه مَا واجه به الإنسان؛ لأَنَّ العرب لا تعقل الوجه إِلاَّ ما ظَهر لَها وواجهها، وإِنَّمَا خوطبت بِما تعرفه من لغتها.
وأَيضًا: فإنَّ موصل البلَّة إِلَى أصول الشعر لا يُسَمَّى غاسلا وإِنَّمَا يُسَمَّى ماسحا، والفرض في الوجه الغسل لا الْمَسح، وإن بطل أن يُسَمَّى مُوصل البلل إِلَى أصول الشعر غاسلا، فالْمَسح غَيْر واجب في الوجه إذ الغسل غَيْر الْمَسحِ.
ويَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَفرقَة الله -جلَّ وعلا- بين الغسل والْمَسحِ، فجعل مَحَلّ الغسل الوجه، ومَحَلّ الْمَسح الرأس، فظهر أنَّ الغسل سَاقط، وإِنَّمَا غاية ما يتأتَّى هنالك الْمَسح، والنزاع إِنَّمَا هو في الغسل لاَ الْمَسح.
ولَعمري إنَّ هَذَا الْجَوَاب لا مَخلص منه، وَكَأنَّ الشافعي نظر إِلَى قوَّته فَأوجب إِيصالَ الْمَاء إِلَى مَا تَحت اللِّحيَة الخفيفة دونَ اللِّحيَة الكثيفة، مُحتجًّا بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ولا حَرج في غسل ما تَحت اللِّحيَة الخفيفة.
قُلتُ: وهَذَا أسهل مِمَّا تَقَدَّمَ، وَكَأنَّهُ إِلَى الْحَقِّ أقرب، وَالله أَعلَم.
وهذا فرع عَلَى هَذِهِ الْمَسأَلَة: [في لِحية الْمَرأَة]
اِعلَم أَنَّهُ إِنَّمَا قيَّد الْمُصَنِّف بلِحيَة الرجلِ لِيُخرِج لِحية الْمَرأَةِ فَإنَّهَا تُخالف في أَحكَامها لِحية الرجل.