الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٧٢وَأُجِيبَ: بأن هذا إِنَّمَا ورد لبيان أحكام صوم الفرض، فكان الْمراد منه صوم الفرض خاصَّة. وللمستدلين أن يقولوا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والنزاع في تخصيص العام بسببه ثابت في الأصول، والأكثر على أَنَّهُ لا يخصُّ به.
الوجه الثَّانِي: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. قالوا: والصيام عمل قد دخل فيه ليس له أن يبطله.
قالوا: ومن جهة أخرى: قياس الصَّوْم على الْحَجّ والعمرة والاعتكاف، فإنَّ الإجماع واقع على وجوب إتمام ما دخل فيه من ذلك ولو كان نفلا في أصله؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾، وقوله عزَّ من قائل: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. قالوا: فلو وطئ في اعتكاف النفل كان عليه الإثم، فكذلك الصَّوْم يشبه معاني الاعتكاف.
قالوا: وفي حديث شدّاد بن أوس عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الشَّهْوَةٌ الْخَفِيَّة». قال: قلنا: "وما الشهوة الخفية؟" قال: «يُصْبِحُ أَحَدُكُم صَائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَة فَيُوَاقِعُهَا وَيَدَعُ صَوْمَهُ». /100/
احْتَجَّ الْمرخِّصون بحديث أمّ هانئ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها فدعا بشراب فشرب، ثُمَّ ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله، أما إِنِّي كنت صائمة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفسِهِ إِن شَاءَ صَامَ وَإن شَاءَ أَفطَرَ». وفي رواية: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرب شرابا فناولها لتشرب، فقالت: "إِنِّي صائمة ولكنِّي كرهت أن أردَّ سؤرك"، فقال: «إِن كَانَ قَضَاءً مِن رَمَضَانَ فَاقضِي يَومًا مَكَانَهُ، وَإِن كَانَ تَطَوُّعًا فَإن شِئتِ فَاقضِي وَإن شِئتِ فَلاَ تَقْضِي».