الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٩٤قال نافع: وكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يوما يبعث من ينظر، فإن رئي فذلك، وإن لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مُفْطِرا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما.
ولعلَّ من قال باستحباب صوم يوم الغيم يتمسك بهذا الأثر، مع أن ابن عمر كان يتحرى السنة في جميع أفعاله، وغاية ما فيه التمسك بقول الصحابي وهو رجل كغيره من الرجال، وإن كان قد شاهد نزول الوحي، فرُبَّ مُبَلِّغ أوعى من سامع، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وَالله أعلَم.
الطرف الثَّانِي: من أصبح على نِيَّة الإمساك؛
لانتظار /132/ الخبر أو لَمْ ينتظر، فأكل من وقته، فَإِنَّه إن أكل من وقته فلا شيء عليه إن لَمْ يصحّ أَنَّهُ من رمضان، والإمساك للانتظار إِنَّمَا هو احتياط وأخذ بالحزم، وإن صحَّ أَنَّهُ من رمضان فعليه بدل يومه.
قيل لأبي عبد الله: أرأيت من أصبح منتظرا للخبر، فشهد برؤية الهلال شهود فأكل قبل أن يعرف عدالتهم، ما يلزمه؟ قال: يومه ذلك. قيل له: لَمَّا أن شهد الشهود قال الوالي للناس: قد أرسلت في تعديلهم فاصبروا إلى وقت كذا، أو قال: اصبروا وَلَمْ يوقت فأكل رجل من قبل أن يعرف أمر الشهود، ما يلزمه؟ قال: يومه.
قيل له: فإن أصبح مُفْطِرا ثُمَّ صحَّ معه أن ذلك اليوم من رمضان، ومضى على إفطاره فأكل وشرب وَلَمْ يُمسك، هل يلزمه شيء؟ قال: نعم، عليه كَفَّارَة التغليظ إذا كان قد علم أن رأي الْمسلمين الإمساك. وإن لَمْ يعلم رأيهم في ذلك فعليه بدل ذلك اليوم.
وَإِنَّمَا ألزمه الْكَفَّارَة في الصورة الأولى عقوبة له على تَعَمُّده، وأَنَّهُ كمن أفطر مُتَعمِّدًا. وعذره في الحالة الثانِية؛ لأَنَّه غير مُتَعَمِّد.
وإن أصبح منتظرا فَإِنَّه ينتظر رجوع الرعاة ووصول الأخبار على حسب الْمعتاد عندهم /133/، فإن انقضى وقت الانتظار أفطر، فإن صحَّ أَنَّهُ من رمضان قضى يوما مكان يومه، ولا بأس عليه في إفطاره.