معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 5 في الصوم

الجزء ١١ · صفحة ٩٩

وكرهه هؤلاء لِمَن يَخشى أن يُفوِّت حقا. وبيَّن ذلك بعضهم بأَنَّهُ إن علم أَنَّهُ يفوِّت حقا واجبا حرم. وإن علم أَنَّهُ يفوت حقا مندوبا أولى من الصيام كره، وإن كان يقوم مقامه فلا.

وسبب اختلافهم تفاوت الأفهام في معنى الأحاديث الثابتة في ذلك، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو وقد عزم على صيام الدهر: «فَإِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيع ذَلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِر، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَة أَيَّام فَإِنَّ الْحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْل صِيَام الدَّهْر». قال: /140/ "إِنِّي أطيق أفضل من ذلك". قال: «فَصُمْ يَومًا وَأَفْطِرْ يَومًا». قال: "إِنِّي أطيق أفضل من ذلك". قال: «فَصُمْ يَومًا وَأَفْطِر يَومين». فقال: "إِنِّي أطيق أفضل من ذلك". قال: «فَصُمْ يَومًا وَأَفْطِر يَومًا فَذَلِكَ صِيَام داود - عليه السلام - وَهُوَ أَفْضَل الصِّيَام»، فقال: "إِنِّي أطيق أفضل من ذلك"، فقال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ».

وفي رواية: أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قال له: «فَصُمْ وَأَفْطِر، وَقُمْ وَنَم فَإِنَّ لِعَيْنَيْكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا». قال: "إِنِّي لأقوى لذلك". قال: «فَصُمْ صِيَامَ دَاود - عليه السلام - ». قال: "وكيف؟"، قال: «كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَومًا، وَلاَ يَفِرُّ إِذَا لاَقَى». قال: "مَن لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ الله؟". وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَد» مَرَّتين.

فالقائلون بالتكريه تمسكوا بالظواهر كقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ أَفْضَلُ مِن ذَلِكَ»، وقوله: «لاَ صَامَ مَن صَامَ الأَبَد»، فإن العبارة الأولى تنفي الأفضلية رأسا، والثانِية تنفي الصَّوْم، وهو نفي في معنى النهي فحصلت الكراهة.

٣٬٤٧٧ / ٣٬٧٥٢