الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١٠١وتُعُقِّب: بأَنَّهُ ليس كُلّ عمل إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقربا؛ بل رُبَّ عمل صالح إذا ازداد منه ازداد بعدا كالصلاة في الأوقات الْمكروهة، فالأولى إجراء الْحديث على ظاهره، وحمله على من فوَّت حقا واجبا بذلك فَإِنَّه يتوجه إليه الوعيد.
ومن حُجَّة الْمرخِّصِين حديث حمزة بن عمرو الأسلمي قال: «يا رسول الله، إِنِّي (رَجُلٌ) أَسْردُ الصَّوْمَ». فحملوا على قوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو: «لاَ أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ»، أي: في حقك فيلتحق به من في معناه مِمَّن يدخل فيه على نفسه مشقة أو يفوت حقا، ولذلك لَمْ ينه حمزة بن عمرو عن السرد، فلو كان السرد ممتنعا لبيَّنَه له؛ لأَنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يَجوز.
قالوا: وأيضا: في بعض طرق الحديث: «فَإِنَّ الْحَسَنَة بِعَشْرَ أَمْثَالِهَا وَذَلكَ مِثلُ صِيَامِ الدَّهْر»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : /143/ «وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّال فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ».
قالوا: فدلَّ ذلك على أن صوم الدهر أفضل مِمَّا شبه به، وأَنَّهُ أمر مطلوب.
وَأُجِيبَ عن الأَوَّل: بأن سؤال حمزة إِنَّمَا كان عن الصَّوْم في السفر لا عن صوم الدهر، ولا يلزم من سرد الصيام صوم الدهر، فقد قال أسامة بن زيد: «إنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يَسْردُ الصَّوْمَ فَيُقَالُ لاَ يُفطِرْ».
ومن الْمعلوم أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يكن يصوم الدهر، فلا يلزم من ذكر السرد صيام الدهر.
وَأُجِيبَ عن الثَّانِي: بأن التشبيه في الأمر الْمقدر لا يقتضي جوازه فضلا عن استحبابه، وَإِنَّمَا الْمراد حصول الثواب على تقدير مشروعيَّة صيام ثلاثمائة وستين يوما.
ومن الْمعلوم أن الْمكلف لا يجوز له صيام جميع السنة، فلا يَدُلُّ التشبيه على أفضلية الْمشبه به من كُلّ وجه.