الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١٠٢واختلف الْمجيزون لصوم الدهر بالشرط الْمتقدم، هل هو أفضل أو صيام صوم وإفطار يوم أفضل؟
قال بعضهم: صوم الدهر أفضل؛ لأَنَّه أكثر عملا فيكون أكثر أجرا، وما كان أكثر أجرا كان أكثر ثوابا، وشرط بعضهم أَلاَّ يكون بذلك راغبا عن السنة، فَإِنَّه مهما كان كذلك فالصَّوْم من أفضل الأعمال، والاستكثار منه زيادة في الفضل.
وَرُدَّ: بأن الأعمال متعارضة الْمصالح والْمفاسد، ومقدار كُلّ منها في الحث والْمنع غير متحقِّق، فزيادة الأجر بزيادة العمل في شيء يعارضه اقتضاء العادة التقصير في حقوق أخرى يعارضها العمل الْمذكور، ومقدار الفائت من ذلك مع مقدار الحاصل غير متحقق، فالأولى التفويض إلى حكم الشارع، ولِما دلَّ عليه ظاهر قوله: «لاَ أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ»، وقوله: إنَّهُ «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ تَعَالَى».
وقال آخرون: صيام داود أفضل، وهو ظاهر الحديث بل صريحه.
ويترجَّح من حيث الْمعْنَى أيضا: بأن صيام الدهر قد يفوت بعض الحقوق كما تقدَّم، وبأن من اعتاده فَإِنَّه لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل، وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهارا، ويألف تناوله في الليل بحيث يتجدد له طبع زائد بخلاف من يصوم يوما ويفطر يوما فَإِنَّه ينتقل من فطر إلى صوم، ومن صوم إلى فطر.
وقد قيل: إنه أشق الصيام، ويأمن مع ذلك غالبا من تفويت الحقوق كما تقدمت الإشارة إليه في قوله - صلى الله عليه وسلم - في حق داود - عليه السلام - : /144/ «وَلاَ يَفِرُّ إذَا لاَقَى»؛ لأَنَّ من أسباب الفرار ضعف الجسد، ولا شكّ أن سرد الصَّوْم ينهكه.
وقيل لابن مسعود: إنَّك لَتُقِلُّ الصيام! فقال: "إِنِّي أخاف أن يضعفني عن القراءة، والقراءة أحبُّ إِلَيَّ من الصيام".
فلو فرضنا أن شخصا لا يفوته شيء من الأعمال الصالحة بالصيام أصلا، ولا يفوِّت حقا من الحقوق التي خوطب بِها لَمْ يبعد أن يكون في حقه أرجح.