الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١١٢قُلْتُ: وهو قول أصحابنا والجمهور من العلماء. ثُمَّ اختلف هؤلاء في حد ذلك على نَحو اختلافهم في حد قصر الصلاة، وقد تقدم بيان ذلك في الجزء الخامس.
والحدُّ عندنا للسفر في القصر والإفطار فرسخان، وهما سِتَّة أميال؛ لأَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قصر الصلاة في ذي الحليفة وهي على سِتَّة أميال من الْمدينة.
وما قاله أصحابنا من أهل الجبل إِنَّمَا هو احتياط لا إلزام، ولهذا قالوا في من أفطر دون الحوزة بعد الفرسخين: ينهى ولا يبرأ منه. فالقصر والفطر بعد الفرسخين يشبه أن يكون متفقا عليه من قول أصحابنا.
وقال الثوري وأبو حنيفة: رخص السفر لا تحصل إِلاَّ في ثلاث مراحل (أربعة وعشرين فرسخا)؛ لأَنَّ قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ يقتضي وجوب الصَّوْم، عَدلنا عنه في ثلاثة أَيَّام /160/ بسبب الإجماع على أن هذا القدر مرخص، والأقل منه مختلف فوجب أن يبقى وجوب الصَّوْم.
وَأُجِيبَ: بأَنَّهُ معارض بقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وأَنَّهُم إن رجحوا جانبهم بأن الاحتياط في العبادات أولى رجحنا جانبنا بأن التخفيف في رخص السفر مطلوب الشرع بدليل قول النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : «هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا مِنهُ صَدَقَتَهُ». والترجيح لِهذا الجانب؛ لأَنَّ الدليل الدالّ على أن رخص السفر مطلوبة للشرع أخص من الدليل الدال على وجوب رعاية الاحتياط.
وقال الأوزاعي: السفر الْمبيح مسافة يوم؛ وذلك لأَنَّ أقل من هذا القدر قد يتَّفق للمقيم، وَأَمَّا الأكثر فليس عدد أولى من عدد فوجب الاقتصار على الواحد.