الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١١٣وَالْجَوَاب: أن اتِّفَاق ذلك للمقيم لا يوجب حصر السفر في ما زاد عليه، والنَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قد قصر بعد سِتَّة أميال، فوجب أن نرد ذلك إلى بيانه، فَإِنَّه - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يعتبر في حد ذلك الأَيَّام، وَإِنَّمَا اعتبر الْمسافة الْمحدودة، وهو الْمبيّن لأحكام ما أنزل الله إلينا، فليس بعد بيانه بيان.
ومذهب الشافعي /161/ ومالك وأحمد وإسحاق: أَنَّهُ مُقَدَّر بسِتَّة عشر فرسخا، ولا يحسب منه مسافة الإياب، كُلّ فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جدّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهو الذي قدر أميال البادية، كُلّ ميل اثنا عشر ألف قدم، وهي أربعة آلاف خطوة، فإن كُلّ ثلاث أقدام خطوة.
واحْتَجُّوا بقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، مقتضاه أن يترخص الْمسافر مطلقا. قالوا: ترك العمل به في ما إذا كان السفر مرحلة واحدة؛ لأَنَّ تعب اليوم الواحد يسهل تحمله، أَمَّا إذا تكرر التعب في اليومين فَإِنَّه يشق تحمله، فيناسب الرخصة لهذا التخفيف.
قالوا: وعن ابن عَبَّاس - رضي الله عنه - ما أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا أَهْلَ مَكَّة، لاَ تُقَصِّرُوا فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَة بُرُدٍ مِنْ مَكَّة إِلَى عَسَفَان». قال أهل اللغة: وكل برد أربعة فراسخ فيكون مجموعه سِتَّة عشر فرسخا.
قالوا: وإن عطاء قال لابن عَبَّاس: أقصر إلى عرفة؟ فقال: لا. فقال: إلى مر الظهران؟ فقال: لا، ولكن أقصر إلى جُدَّة وعسفان والطائف. قال مالك: بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد.
وَالْجَوَاب: أَمَّا الآية فلم تخص سفرا من سفر، وَلَمْ تعلق ذلك بالْمشقة الحاصلة، /162/ والْمشقة لا تنضبط، فقد تحصل في اليوم، وقد لا تحصل بعد ثلاث.