معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 5 في الصوم

الجزء ١١ · صفحة ١١٤

وَأَمَّا الخبر والأثر فلم يثبت شيء منهما، ولو ثبت الخبر في ذلك لوجب الرجوع إليه والحاجة إلى نقله -لو ثبت- داعية، وحديث أَنَّهُ لَمْ ينقل نقل الثوابت علمنا عدم ثبوته.

وَأَمَّا أهل الظاهر فقالوا: إن الحكم لَمَّا كان معلقا على كونه مسافرا فحيث تحقق هذا الْمعْنَى حصل هذا الحكم. قالوا: أقصى ما في الباب أَنَّهُ يروى خبر واحد في تخصيص هذا العموم، لكن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز.

وَالْجَوَاب: لا نسلم أن تخصيص عموم القرآن بخبر الآحاد لا يجوز؛ بل نقول بجوازه؛ لأَنَّ دلالة العموم على دخول الأفراد في العام ظنّيَّة فيصح إخراج بعضها بالظنّي، وبسط الْمسألة في الأصول، وَالله أعلَم.

وبالغ الحسن البصري -في ما ذكر الشيخ إسماعيل عنه- أَنَّهُ قال: يفطر إن شاء في بيته يوم يريد السفر، وذكر بعضهم: أَنَّهُ لما جاوز البيوت دعا بالسفرة، فقيل له: ألست ترى البيوت؟ فقال: أترغب عن سنة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وأنت تدري أن السنة لَمْ تثبت في هذا بعينه وَإِنَّمَا ثبتت في فطر الْمسافر الذي /163/ بعد عن وطنه. وهؤلاء جعلوا من أخرج من بيته مسافرا.

ومنهم من أطلق اسم الْمسافر على من أراد السفر ولو في بيته، وذلك كله تمسك بظاهر الاسم في معنى اللغة.

وذلك أن أصل السفر الكشف والظهور، يقال أسفر الصبح إذا انكشف وظهر، وأسفر وجه الْمرأة إذا أزالت عنه النقاب.

قال الزهري: وسُمِّيَ الْمسافر مسافرا لكشف قناع الكنّ عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء، ففهموا من هذا الْمعْنَى إطلاق اسم الْمسافر على من برز من البيوت.

ثُمَّ تَجَوَّز الحسن حتى أطلقه على مريد السفر، وليس هذا كله من الصواب في شيء؛ لأَنَّ الشرع قد بين الْمراد منه، وحَدَّهُ بحدٍّ مخصوص، فالواجب الرجوع إلى تقدير الشارع في ذلك، وليس لنا أن نترك الْمقادير الشَّرْعِيّة ونتمسك بالْمعاني اللغوية، وَإِلاَّ لتمشى ذلك إلى هدم أركان الإسلام.

٣٬٤٩٢ / ٣٬٧٥٢