الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١٣٠والقول بوجوب التتابع مذهب أصحابنا أجمع، فَإِنَّهم قالوا: يجب التتابع في القضاء كما يجب في الأداء، وهو الْمروي عن عليّ وابن عمر والحسن البصري والنخعي وعروة بن الزبير، وبه قال جابر بن زيد وأبو عبيدة /189/ وعامَّة فقهائنا، وعن عائشة - رضي الله عنه - ا قالت: «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ».
وقال قوم من مُخالفينا: أحصِ العدة، وصم كيف شئت، ورووا ذلك عن ابن عَبَّاس وأبي هريرة وأنس بن مالك ومعاذ ورافع بن خديج وسعيد بن جبير وغيرهم من فقهاء الأمصار.
قال ابن الْمنذر: غير أن بعضهم استحبَّ أن يقضيه متتابعا، قال: وبهذا نقول.
قال الشيخ إسماعيل: وسبب الخلاف معارضة القياس لظاهر اللفظ، وذلك أن القياس يقتضي أن يكون القضاء على صفة الأداء أصلها الصلاة والْحَجّ، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ إِنَّمَا يقتضي إيجاب العدد لا إيجاب التتابع.
وحاصله أَنَّهُ ذكر لِكُلِّ واحد من الفريقين احْتجاجا:
فذكر لِمن أوجب التتابع القياس، وهو قياس القضاء على الأداء، وأن أصل ذلك الصلاة والْحَجّ، فقضاء كُلّ واحد منهما يشبه الأداء، والصَّوْم مثل ذلك.
ولهم أيضا أدلة غير القياس الْمذكور، ومن ذلك حديث أبي هريرة: أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ فَلْيَسْردْهُ وَلاَ يَقْطَعْهُ».
ومن ذلك /190/ قول عائشة: نزلت «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ» فسقطت متتابعات. وذكروا: أَنَّهَا كانت قراءة أبي بن كعب.
وَأُجِيبَ عن الحديث بأَنَّهُ ضعيف، وعن قول عائشة: أَنَّهَا نزلت كذلك لكنَّها نسخت بقولها: "فسقطت متتابعات". وَأُجِيبَ عن قراءة أُبَيّ: بأَنَّهَا من القراءة الشاذة.
ويعترض الجواب الأَوَّل: بأن الحديث وإن ضعفه بعض الْمحدثين فقد حَسَّنه غيره.