الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١٦٦وقال غيره: إذا نسي اعتقاد النية في ذلك فهو مؤدٍّ، والمسلم على نيته. وحجتهم قوله - صلى الله عليه وسلم - : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَان».
احْتَجَّ أصحاب القول الأول: أن رمضان عبادة واحدة تكفي فيه نية واحدة كالصلاة، وكأفعال الحج فَإِنَّهَا متعددة تكفي فيها نية واحدة، وكذلك أيام رمضان، والصلاة عدة ركعات، وفيها أذكار وتلاوة وتكفي للكل نية واحدة.
وَالْجَوَاب: أن كل واحد من الصلاة والحجِّ عمل واحد، ولا يتم إِلاَّ بفعل ما اعتبره الشارع من الأحوال والمناسك، والإخلال بواحد من أركانه يستلزم عدم إجزائه، وصوم رمضان أفعال متعددة، كل يوم عبادة مستقلة تتجدد بطلوع فجر كل يوم وتنقضي بغروب الشمس، وليس من العبادات عبادة واحدة تنفصل أركانها مثل هذا الانفصال، وتتكرر أسباب وجوبه عند كل ركن؛ فلو كان رمضان فرضا واحدا لأشبه الفرائض الواحدة. نعم، هو فرض من /245/ حيث الجملة، كما أن الصلوات الخمس فرض من حيث الجملة، وعند النظر إلى التفصيل ترى كل صلاة عبادة مستقلة، فكذلك أيام رمضان. وبهذا يترجح أَنَّهُ فرائض لا فرض واحد.
وحجة أرباب القول الثاني: ظاهر الحديثين المتقدمين، وهما قوله - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَات وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
فإن الحديث الأول ظاهر في المطلوب؛ لأَنَّه نفى الصيام لمن لم يبيته من الليل، فمن نوى في أول الشهر لا يصدق عليه أَنَّهُ بيت الصيام من الليل، وكذلك الحديث الثاني؛ لأَنَّه يشترط النية في الأعمال، وصيام كل يوم بنفسه عمل، والليالي فصلت بين الأيَّام.
ولقد أخجل السامع من استدل لترجيح هذا القول بأن أكل الليل يوجب تجديد النية للصوم الثاني، وأن أمر النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالسحور يدل على تجديد النية لفرض آخر.