الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١٨٩كما إذا أكل أو شرب في نهار الصوم في وطنه، فهذا منتهك لحرمة رمضان، مضيع لدينه، هادم لإسلامه؛ لأَنَّ الإسلام إِنَّمَا بني على خمس أحدها الصيام، فلا يستقيم إسلام المرء إِلاَّ إذا استقامت أركانه.
فإن وقع منه مثل هذه الخطيئة فعليه أن يتدارك نفسه من الهلاك، ويرجع إلى الله بالمتاب، ويقضي ما ضيع؛ لأَنَّ القضاء لازم على من أفطر بعذر، فما ظنك بمن أفطر بغير عذر بل هو أشد وأولى.
واختلف الناس فيما يلزمه:
فقيل: يصوم الدهر كله ما حيي وصح. وفي عبارة أبي سعيد: عليه صوم الدهر كله. قال: ومن قول صاحب هذا القول في ذلك أن عليه أن يصوم الدهر حتى يلقى يوما مثل يومه الذي أكل فيه في شهر رمضان، قال: ولا يلقى ذلك أبدا.
قلت: وهو معنى ما نقله ابن المنذر عن علي وعبد الله /283/ أنَّهما قالا: لا يقضه أبدا ولو صام الدهر كلَّه.
وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «مَن أَفطَرَ يَومًا فِي شَهرِ رَمَضَانَ فِي غَيْرِ رُخصَةٍ رَخَّصَهَا اللهُ لَم يُجزِهِ صَومُ الدَّهرِ كُلِّه».
ومن أوجب عليه صوم الدهر لابد وأن يستثني الأيَّام المحرم صومها؛ إذ لا تكون طاعة الله في معصيته، فهو وإن أطلق مقيد بما علم من الدين بالضرورة.
وقيل: عليه صوم ثلاثة آلاف يوم، وهو قول النخعي. وقيل: يصوم ستة. وقيل: يصوم ثلاثة أشهر، وهو قول عبد المقتدر.
وفسره بعضهم بأن شهرا منها بدل ذلك الشهر، وأن الشهرين كفارة الانتهاك.
وقيل: يصوم شهرين وما مضى من صومه، من أول الشهر إلى اليوم الذي أكل فيه، وهو قول سليمان بن عثمان.
قال أبو المؤثر: وقد روي لنا عن عمر بن المفضل عن معول بن مغيرة (قاضي شبيب) عن شبيب بن عطية قال: يصوم اليوم الذي أكل فيه وشهرا. وكأنه يرى أن كل يوم فريضة مستقلة.