الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٢٠٠وذلك كله مبني على وجوب المسارعة إلى الاغتسال، ووجوب ذلك مبني على /304/ اشتراط الطهارة من الجنابة في صحة الصوم. وعلى هذا الاشتراط اتفاق الأصحاب، وسيأتي للقوم ما يخالفه.
ومن رأى الجنابة في بدنه أو ثوبه، ولم يتقن خروجها منه، فَإِنَّهُ يؤمر بالغسل احتياطا. فإن ترك الغسل يظن عدم لزومه:
فمنهم: من عذره بذلك الجهل، بلزوم الغسل؛ ولأنَّ السبب لم يتيقن، والأحكام لا تبنى على الشك، والاحتمال حاصل، والأصل السلامة وطهارة البدن.
ومنهم: من ألزمه الغسل؛ لأَنَّ العادة تقضي بخروج ذلك منه لا من غيره، فإذا ترك الغسل والحالة هذه فهو عنده كمن ترك الغسل عامدا، وأنه عليه بدل ما مضى من صومه. وقيل: بدل يومه لموضع التأويل. وقيل: معذور لجهله. وقيل: معذور لتأويله، ولا يعذب الله العباد بما لم يَجعل لهم عليه دليلا قاطعا، وأمرا جازما، فالعذر أحب إلي، وهو أقوم سبيلا، وأقوى دليلا، والاحتياط حسن عند الإمكان، والله أعلم.
الْمَسأَلَة الثامنة: في نقض الصوم بإخراج القيء تعمُّدا /305/
وَإِنَّمَا ذكرتها في هذا الموضع لِمناسبة الإخراج بالإخراج؛ فإخراج المنِيِّ إخراج من أسفل، وإخراج القيء إخراج من أعلى، والكل إخراج وخروج، ولولا ذلك لوجب تأخيره حتَّى تستكمل مسائل الجماع وتوابعه.
فإخراج القيء عمدا ناقض للصوم عند أكثر الأصحاب، حتى أن بعضهم كان لا يعرف غيرهن وحتى أن ابن المنذر حكى إجماع أهل العلم على ذلك.
ورُدَّ: بأن الخلاف موجود، فإن ابن مسعود وعكرمة وربيعة وغيرهم يقولون: لا يفسد الصوم، سواء كان غالبا أو مستخرجا ما لم يرجع منه شيء باختيار.
واستدلُّوا: بحديث أبي سعيد أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثَلاَثٌ لاَ يُفطِرْنَ: القَيءُ وَالْحِجَامَةُ وَالاِحتِلاَمُ».