الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٢٣٠فمن عذره من البدل جعله في حكم المغلوب وألحقه بالناسي، بل هو أعذر منه؛ لأَنَّ الغلبة ليس فيها شيء من الاحتياط أصلا، والناسي إذا أكل أو شرب على قدرة من ترك ذلك، غير أَنَّهُ نسي الصوم، فأكل يظن أَنَّهُ غير صائم، فالعذر لنسيان الصوم لا غير، وهو هاهنا يعذر للغلبة الحاصلة، فهو أشبه شيء بالذباب والغبار الذي يدخل حلقه على غير الاختيار.
ومن فرق بين اللازم وغيره إِنَّمَا فرق على وجه الاستحسان لا غير. وكذلك من فرق بين الأمر الدنيوي والأخروي.
ولقد بالغ في التشديد من قال بالبدل في حالتي الذكر والنسيان للصوم؛ لأَنَّ الناسي في هذا الموضع قد حصل له عذران: عذر الغلبة، وعذر النسيان.
والمتشدد نظر إلى حصول المفطر فقط، ويرى العذر رافعا للإثم لا غير، /356/ والله أعلم.
تنبيه: في الصائم إذا أراد المضمضة أو الاستنشاق
فَإِنَّهُ يفعل ذلك برفق ولا يبالغ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إِذَا استَنشَقْتَ فَبَالِغْ إِلاَّ أَن تَكُونَ صَائِمًا»؛
وذلك لأَنَّ الصائم يحرم عليه إدخال الماء في حلقه، والمبالغة في الاستنشاق يخشى منها ذلك غالبا.
وفيه إشارة أن حكم الداخل إلى الحلق من الأنف في الصوم حكم الداخل من الفم.
وقد بالغ مسعدة بن تَميم في جوابه لمن سأله فقال: إذا أردت أن أستنشق وأنا صائم أخاف أن يدخل الماء في حلقي؟ قال له مسعدة: ضع إصبعك في الماء ثُمَّ أدخلها في منخرك.
فتراه قد أمره بإدخال الإصبع رطبة في منخره وهو شيء غير الاستنشاق؛ إذ من لوازم الاستنشاق الاستنثار؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إِذَا استَنشَقْتَ فَاسْتَنثِرْ»، والاستنثار دفع الماء من الأنف إلى خارج بالتنفس، وإذا قذف الماء بعد المضمضة فلا بأس عليه بما يبقى من الأثر المخالط للريق.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: الصائم يمضمض ثُمَّ يزدرد ريقه وهو صائم؟ قال: لا يضره، وماذا بقي في فيه!؟.