الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٢٤٣وَإِنَّمَا التخيير في البيت بِمعنى إباحة الطرفين مع قطع النظر عن المستحب منهما، فإن الطرفين (الإفطار والإمساك) قد اشتركا في أصل الإباحة، وزاد الإمساك بِمعنى الاستحباب لحديث الرُّبَيِّع بنت معوذ قالت: "أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: «مَن كَانَ أَصبَحَ صَائِمًا فَليُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصبَحَ مُفطِرًا فَليُتِمَّ بَقِيَّةَ يَومِهِ»، فَكنا بعد ذلك نصومه ونصوِّمه صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العِهن، فإذا بكى أحدهم من الطعام أعطيناه حتى يكون عند الإفطار".
فقوله: «وَمَن أَصبَحَ مُفطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَومِهِ» يدل على طلب الإمساك مِمَّن أصبح مفطرا. /379/
وإن في ذلك سرا خفيا وحكمة إلهية للقطع بأن صومه غير تام حيث لم يستكمل طرفي النهار، فالإمساك عمل مطلوب شرعا، ولا يضيع الله عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى.
وقد تقدم الكلام في هذه الْمَسأَلَة في مسألتي الحائض والمسافر فراجعه من هنالك.
وقال أبو إسحاق فيمن أسلم أو بلغ أو آب من سفره، أو طهرت من حيض أو نفاس، أو أفاق من جنونه، أو عوفي من مرضه، أو مرضع ارتفع عنها الخوف، أو حامل أمنت المحذور، أو أطاق العاجز بعد الصبح: إن على هؤلاء كلهم أن يكفوا بقية يومهم عن الإفطار، فإن أفطروا بقية ذلك اليوم فلا كفارة عليهم؛ وذلك لأَنَّ الفطر حاصل من قبل ذلك، والقضاء لازم.
وأنت تدري أن المشرك إذا أسلم نهار رمضان، والصبي إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق أشد حالا في الصوم من الحائض إذا طهرت، والمسافر المفطر إذا آب /380/ والمريض إذا عوفي، فإن الثلاثة الأول إِنَّمَا كانوا في حال ينافي التعبد بالصوم لتعلق التكليف بالبلوغ والعقل. ولأن المشرك -وإن كان مخاطبا بفروع الشريعة- يغفر له بإسلامه ما سلف.