الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٢٥٥وذهب قوم -منهم الحسن البصري وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة /401/ وأصحابه- إلى أَنَّها لا تجب الفدية على من أخر بعذر أو بغير عذر، وإليه مال المتأخرون من أصحابنا العمانيين.
واحْتَجُّوا بقوله تعالى: ﴿ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، قالوا: ولم يذكر الفدية، فعلمنا أن وجوب القضاء ناسخ للفدية. قالوا: والبراءة الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية، حتى يقوم الدليل الناقل عنها. قالوا: ولا دليل هاهنا فظهر عدم الوجوب.
وقال بعض من وافقهم: ليس مع من أوجب الكفَّارَة حجَّة من سنة ولا إجماع.
قال أبو سعيد: وليس حَولُ الحول عليهما يوجب حكم كفَّارَة إِلاَّ بدليل ولا أعلمه.
وَالْجَوَاب: قد ثبت ذلك في الكتاب، وجاءت به السنة:
أمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وقد تقدم بيان معناها.
وعلى القول بأنّها نزلت أول الأمر في التخيير بين الصوم والفدية، ثُمَّ نسخ التخيير، فإن نسخ التخيير لا ينسخ وجوبها على من أفطر مطلقا إِلاَّ ما خصه الإجماع.
وبيان ذلك: أن الفدية قد كانت ثابتة بنص الآية، ثُمَّ اختلف في حملها:
فمنهم: من حملها على حالة مخصوصة من أحوال الناس كالشيخ الكبير.
ومنهم من قال: إِنَّهَا منسوخة؛ لأَنَّها نزلت في تَخيير /402/ القادر بين الصوم والفدية ثُمَّ نسخ ذلك بتحتّم الصيام، فالفدية ثابتة في أصل الأمر ورفعها يحتاج إلى دليل؛ لأَنَّ الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالبراءة الأصلية غير مسلمة.