الكتاب 6 في الاعتكاف والنذور والفهرس
الجزء ١٢ · صفحة ١٢ثُمَّ إنه لابد للإنسان من أحوال يتعلق بها قوام بدنه من أكل وشرب، /444/ وخروج لقضاء الحاجة؛ فأبيح له فعل ذلك إجماعا لتوقف ضرورته عليه، فهو في حكم المستثنى من التزامه.
وبقيت أشياء تباح في الْمَسجِد لغير المعتكف؛ فبعض العلماء كرّه أن يشتغل بها المعتكف، وبعضهم لم يكرهها له كتحدث مع الداخل، وترحيب بالزائر، وقضاء حاجة الصاحب، وتشييع الخارج عنه إلى غير ذلك من الأمور.
والترخيص في هذه الأشياء أقرب إلى معاني السنة، فمن تأمل أحوال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في معتكفه توسع بجميع ما يُمكن التوسع به في الْمَسجِد.
ونفس الاحتباس قربة، وعمل الفضائل فيه من قراءة وذكر وصلاة نافلة زيادة في الدرجات، ولكل درجات مما عملوا.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يتحدث في معتكفه مع من زاره، ويشيّعه إذا انقلب، وكان يصلح بين الخصوم إذا تلاحوا، وكان يجيب السائل، ويأمر بما أراد من الخير، و«كَانَ يُدْنِي رَأْسَهُ فَتُرَجِّلُهُ عَائِشَة - رضي الله عنه - ا- وَهِيَ فِي الْحُجْرَةِ».
والحديث يدل على أن الاشتغال /445/ بتسريح الشعر لا ينافي الاعتكاف.
قِيلَ: وفي معناه حلق الرأس، وتقليم الأظافر، وتنظيف البدن من الشعث و الدرن.
ويؤخذ من ذلك فعل سائر الأمور المباحة كالأكل والشرب، وكلام الدنيا، وعمل الصنعة من خياطة وغيرها.
والحديث يردّ على مالك كراهيته للمعكتف أن يشتغل في مجالس العلم، وأن يكتبه وإن لم يخرج من الْمَسجِد، فإن الاشتغال بالعلم وكتابته أهم من تسريح الشعر.
ويؤخذ منه أيضا أن مماسة المعتكف للنساء ومُماستهن له إذا كان ذلك من غير شهوة لا ينافي اعتكافه، وهو كذلك بلا خلاف.
فإن كان بشهوة فهو حرام. وهل يبطل به الاعتكاف؟ ينظر: فإن اقترن به إنزال أبطل الاعتكاف، وإلا فلا. وقِيلَ: يبطل وإن لم ينزل. وقد تقدم الكلام على القولين.