الكتاب 6 في الاعتكاف والنذور والفهرس
الجزء ١٢ · صفحة ١٩والثاني: يختص بفعل ما حرم الله - سبحانه وتعالى - ، أو ترك ما أوجب، وقد تفضي إساءَة الأدب إلى الخذلان - والعياذ بالله تعالى -، وهو أن يُخلَّى بين العبد ونفسه ويرفع الله عنه عنايته فتتسلط عليه أعداؤه من شياطين الإنس والجن، فيوقعونه في المهالك، فيكون الهلاك بسبب ما اقترف من كبار الجرائم لا بإساءة الأدب، لكن أصل ذلك رفع العناية عنه، وأصلها إساءة الأدب منه، فنسأل الله تعالى العفو والعافية.
وإن إمعان النظرِ في هذا مِمَّا يُفضي إلى الخوض في القدر، وعند ذلك يَجب الكفُّ.
ترى هذا مَخذولا بِإساءة أدبه، وترى هذا مَجذوبا من خطيئته قد أخرج من الظلمات إلى النور، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا حول ولا قوة إِلاَّ بالله.
فالاعتكاف على هذا /455/ لا يصلح أن يكون في تلك الأَيَّام عند من اشترط فيه الصيام؛ لأَنَّ أقلَّ حالاته أن يكون إساءة أدب حيث تقرب إلى الله بما نَهاه عنه.
ثُمَّ إن التقرب بالمنهي عنه أشد من فعل المنهي عنه على غير وجه التقرب، ومن هاهنا قال من قال: من وجوه الشرك التقرب إلى الله بمعصيته؛ وذلك لأَنَّه في حكم المصادم لما أنزل الله، يحرم الله عليه شرب الخمر مثلا وهو يتقرب إلى الله بشربها، فالمستحل لشربها من غير تقرب ولا تأويل مشرك، فكيف من زاد التقرب على الاستحلال؟!
فإذا عرفت هذا ظهر لك تحريم التقرب إِلَى الله بالمنهيات، وحينئذ ينْزَاح الإشكال، وتضمحل الشبهة، والعلم عند الله.
تنبيه: من جعل على نفسه أن يعتكف العيدين ماذا عليه؟
يلزمه على قواعد المذهب التوبة والاستغفار، ولا وفاء عليه؛ لأَنَّه إِنَّمَا نذر بمعصية الله، وفي الحديث: مَن نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ فَنذْرُهُ بَاطِلٌ».
وخرّج أبو سعيد في الكفَّارَة عليه معنى الاختلاف، /456/ قال: وأما البدل فلا بدل عليه، ومثله عندي باقي الأَيَّام المنهي عن صيامها.