الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ١٤٧وسئل أبو عبد الله عن الْوُضُوء فَقَالَ: ثَلاَثا ثَلاَثا، واثنتان، ووَاحِدَة سَابغة تُجزي، قَالَ: وقَد بَلغني عَن والدي -رحمه الله- أَنَّه قَالَ: إذا كَانَ الرجل مَبثورًا أجزته مَرَّةً وَاحِدَة. وَأَمَّا أهل خراسان فإنَّ مِنهُم من قَالَ: الْوُضُوء ثَلاَثا ثَلاَثا، فمن زاد عَلَيهِ كمن نَقص منه. قَالَ: ولا نأخذ بِهَذَا الْقَوْل.
قُلتُ: ولَعَلَّ وجه قول أهلِ خراسان أنَّ الزيادة عَلَى الثَّلاَث مَكرُوه كَالاقتصار عَلَى ما دونَها، فَإِنَّه لَمْ يبلغنا أنَّ أحدا أوجبَ في الْوُضُوء ثَلاَثا ثَلاَثا، وإِنَّمَا ذَلِكَ فضل باِتِّفَاق الأُمَّة، والْوَاجِبة وَاحِدَة، أو أَنَّهُم أَرَادُوا أنَّ الزيادة عَلَى الثَّلاَث لقصدِ مُخَالَفَة السُّنَّة حرام، كما أنَّ الاقتصار عَلَى الوَاحِدَة لقصد الْخِلاَف حرام أَيضًا، ويُحتمل غَيْر ذَلِكَ، وقد مرَّ الْحَدِيث مِن رِواية قَومنا ما يَدُلُّ عَلَى مثل ذَلِكَ، فالأثر عَن أهل خراسان مُطابق لِهَذَا الْحَدِيث، ويُحتمل لَهم ما يُحتمل من التأويل في ذَلِكَ الْحَدِيث، وَالله أَعلَم.
وَلَمَّا فَرغ من بَيان فرائض الْوُضُوء وسُننه شَرع في بيان ما ينقضه بعد حصوله، فَقَالَ:
ذكر نواقض الْوُضُوء
جَمع نَاقضة، والْمُرَاد بِها الْمعانِي التي تَرفع حُكم الطَّهَارَة، وبسببها يَجِب الْوُضُوء لِمَن أَرَادَ الصَّلاَة، مأخوذ من النقضِ، وهو متَى أُضيف إِلَى الأجسام فالْمُرَاد به إِبطال تَأليفها، ومتَى أضيف إِلَى غَيْر الأجسام فالْمُرَاد به إِخراج ذَلِكَ الشَيء عن الْمطلوب.
والْمطلوب من الْوُضُوء: استباحَة ما لا يَجُوزُ فعله بدونه، سواء كَانَ ذَلِكَ لصَلاَة أو لَمس مصحف أو لغَيْرهِما.
والْمُرَاد بالْمعاني الناقضة للوُضُوء: الأحداث التي ذَكرها الْمُصَنِّف، وهل هَذِهِ الأحداث قائمة بِجَمِيع البدن أم لا؟