الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ١٥٨وأَيضًا: فإنَّ شرعيَّة الاغتسال عَلَى الْجُنُب لا تُوجب نسخ فرضيَّة الْوُضُوء عَنه، فَإِنَّه إذا نزل فرض عَلَى أحد لا يَكُون ناسخا للفرض الذي قَبله باِتِّفَاق الأُمَّة، وَالله أَعلَم.
والدَّلِيلُ عَلَى أنَّ الْوُضُوء يَجِب من البولِ، الأحاديث التي وردت دالَّة عَلَى وُجُوبِ التنَزُّه عَنه، وقد صرَّحت بالوعيد الشديد عَلَى عدم التنَزُّه، ومن ذَلِكَ قولُه - صلى الله عليه وسلم - وقَد مرَّ عَلَى قَبْرَين فَقَالَ: «إِنَهُمَا يُعَذَّبَانِ ومَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، بَلَى إِنَّه لَكَبِيرٌ، أَمَّا أَحَدُهُما فكَانَ يَمشي بِالنمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخرُ فكَانَ لا يَتَنَزَّه مِن بَولِه».
والدَّلِيلُ عَلَى أنَّ الريحَ الْخَارِجة من الدُّبُر نَاقِضة للوُضُوء: ما تَقَدَّمَ من الروايات الدَّالَة عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوء من الريح. وقد رُوِيَ أنَّ قوما كَانُوا في مَجلِس عُمَر فهاجَت ريح فَقَالَ عمر: من كَانَ مِنكُم أحدثَ فليقم يتَوَضَّأ، وَكَانَ فيهم جابر بن عبد الله الأَنصاري فَقَالَ: كُلُّنَا نَقومُ يَا أَمِيرَ الْمؤمنِين، فَقَالَ عمر: "ما عَرفتُ مُنذ أسلَمت إِلاَّ بِمكارم الأخلاقِ"، وَاستحسن منه ما قاله، وإِنَّمَا أَرَادَ جابر بِما قاله الستر عَلَى الْمحدِث؛ لأَنَّ في قيام الكلِّ سترا عَلَيهِ.
قال صَاحِب الضياء: ولَعمري لَقد قالَ قَولا، ورَأَى جَميلا.
قالَ مُحَشِّي الإِيضَاح: واختلفَ: هَل عَين الريح نَجسة أم تنجس بِمرورها عَلَى النَّجَاسَة؟ وثَمرته تظهر فيما إذا خرج منه الريح وعَلَيهِ سَراويل مبتلَّة.
فمن قال بنجاسَة عَينها ينجس السراويل، ومن قالَ بطَهَارَة عينها لَمْ يَقل به، كما لَو مرَّت الريح بنجاسَة ثُمَّ مرَّت بثَوب مُبتَلٍّ فَإِنَّه لا يَنجس بِها.
قَالَ: كذا رأيته في كُتب الْحَنفيَّة، وَأَمَّا في كتبِ أَصحَابنَا فقَد عدُّوها مِن الأحداث، فيقتضي ذَلِكَ نَجاستها لعينها.