الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ١٨٤وَلَم يرَ ابن الْمعلَّى نَقض الْوُضُوء عَلَى من مسَّ دبره أو دبر غَيْره، ولَعَلَّ ابن الْمعلى إِنَّمَا أَرَادَ بدبر الغَيْر دبر زوجته أو سريَّته؛ لأَنَّهُ هُو اللائق بِحقِّه، ويَحتمل أَنَّهُ أَرَادَ مُطلق الغَيْر، وأَنَّهُ لا يرى أنَّ الْمَعصِيَة ناقضة للوُضُوء. وقد اختلفَ أَصحَابنَا في نقضِ الْوُضُوء بالْمعاصِي كما سَتراه إن شاء الله.
وَكَانَ حيَّان الأعرج يَقُول: لا ينقض الْوُضُوء مسّ الذكر إِلاَّ مِن حَيثُ يَخرج البول، وَأَمَّا القضيب فلا. فهَذِهِ أربعةُ أقوال كُلّها للأصحاب.
حجَّة أبي نوح: ما رُوِيَ عن عَائشة -رضي الله عنها- أَنَّهَا كانَت تَقول: "من مسَّ الفرجَ الأسفل والأعلَى فَليتَوَضَّأ"، فاستدلَّ بذَلِكَ عَلَى أنَّ النقض بِمسِّ الثقبين فقط.
واعترضَه أَبُو مُحَمَّد: بأنَّ الْخَبَر دالٌّ عَلَى نقض الطَّهَارَة بِمسِّ الكوِّ وغَيْره من الفرجين، وإن ذَهب إِلَى أنَّ الفرج مأخوذ مِن الانفراج فَهو سهو في التأويل، ولَو كَانَ اسم الفرجِ لاَ يَقع عَلَى الذكر وإِنَّمَا يَقع عَلَى الثقبِ لاِنفراجه لكَانَ مسُّ الأَنف والفمِ يَنقض الطَّهَارَة لانفراجهما؛ لأَنَّ ظَاهِر الْخَبَر ورد بِمسِّ الفرج، وَالْمخصِّص لِبَعْض ما اشتمل عَلَيهِ الاسم يَلزمه الدَّلِيل.
ويُجاب عن هَذَا الاِعتِرَاض: بأنَّ الفرج صارَ عَلمًا للمَوضِع الْمَخصُوص، وإن كَانَ في أصل التَّسمِيَة مَأخوذًا مِن الانفراج، فوجه التَّسمِيَة لا يلَزم اطِّراده.
وأَيضًا: فتخصيص الفرج بِالأسفل والأعلى في الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى تَخصيص هَذَا الْحُكم بِمسِّ الْمَوضِعين دونَ غَيْرهِما، فلا يُشاركهما في هَذَا الْحُكم جَمِيع مَا شاركهما في الاسم، وَالله أَعلَم.