الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ١٨٧وحجَّتهم: أنَّ مَا ينقض الْوُضُوء لا يُراعَى به العمد والنِّسيَان كَخروج الريح والبول والغائط، وإِنَّمَا يُراعى النِّسيَان والعمد فيما يلزم فاعله الإثم، ومسُّ الفرج لَيس من باب الإثم؛ لأَنَّهُ مِن خطاب الوضع إذ هُو من الأسباب، وخطاب الوضع لا يشترط فيه الْعِلْم ولا القدرة ولا الاختيار ولا عدم السهو والنِّسيَان، وإِنَّمَا يلزم ذَلِكَ في خطاب التكليف، وقد قدَّمت لك أنَّ القائلين بِأَنَّهُ لا ينقض الْوُضُوء /227/ مسّ الفرج نِسيَانا، إِنَّمَا يَتَعَلَّقُون بِمَفهُوم حَدِيث: «مَن مَسَّ ذَكَرَه قَاصِدًا بِيَدِه…الخ»، فَإِنَّهم إِنَّمَا يَجعلون مسَّ الذكر سَببا للنقض بِشرط القصد، فلَهم أن يَقُولوا: إنَّ القصد مَشروط بكونِ مسِّ الفرجِ سَببا للنقض، والأسبابُ كَثير مَا تَعلَّق بِالشروط، فهم يَجعلون الْمسَّ ناقضا إذا حَصل مع شَرطه وهو القصد كما أشار إليه الْحَدِيث، فلا يُردُّ عَلَيهِم جَمِيع مَا ذكره أبو مُحَمَّد وصَاحِب الإِيضَاح، وَالله أَعلَم.
وينبغي أن يَكُون هَذَا الْخِلاَف جاريا في من مسَّ ذَكره خطأ أو سهوا؛ لأَنَّهُ ليسَ في الْجَمِيع قصد إِلاَّ كقصد الناسي، ولَعَلَّهم لَمْ يذكروا الناسي لتقييد الْحُكم به، وإِنَّمَا ذكروه لكونِه السبب في الواقعة، فجرى الكَلاَم عَلَيهِ، ولا بُدَّ من إعطاء غَيْره مِثل حُكمه إذا ساواه في علَّته، وَالله أَعلَم.
الْفَرعُ الثَالِث: فِي مسِّ الفرج بِغَيْر اليد
وقد اختَلَفُوا فِي ذَلِكَ:
فَقَالَ بَعْضهم: ينقض الْوُضُوء، ويَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْل ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَن مسَّ ذَكَره فَليتَوَضَّأ»، وَالْمسُّ مَعنًى في ظَاهِر الْجِلْد يَقع به لِلاَّمس مَعرفة الشَيء الْممسوس.
وقال آخرون: لا يَنقض الْوُضُوء إِلاَّ اللمس باليد.