الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٤١٢وحكم هذا أَنَّهُ نَجس، إِلاَّ أن يغلب الْمَاء النَّجَاسَة فيدفع مادة النَّجَاسَة، فيكون حكمه كحكم الضرب الأَوَّل، أو يكثر الْمَاء حَتَّى تصير أجزاء النَّجَاسَة فيه مستهلكة لا حكم لَها؛ فيرجع الْحُكْم إلى الْمَاء فيكون طاهرا، وَاللهُ أَعلَم.
الْمَسأَلة الثانية: في ماء البحر
واعلم أنَّ استعمال ماء البحر في الوضوء والغُسْل جائز، بل واجب إذا لَمْ يوجد غيره؛ لِما روي أنَّ رجلا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إنَّا نركب البحر ومعنا القليل من الْمَاء فإن تَوَضَّأَنا به عطشنا، أفنتَوَضَّأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيتَتُه». ولِما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كان يقول: «مَن لَمْ يُطَهِّرهُ البَحرُ فَلا طَهَّرَهُ اللهُ - عز وجل - ».
ولِما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ مِن الْمَاءِ العَذبِ وَالْمالِحِ ومَاءِ السَّمَاءِ».
وعَلَى هذا اتَّفقت الأُمَّة إِلاَّ ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص فَإنَّهُ حكي عنه أَنَّهُ قال في ماء البحر: لا يُجزِئ من الوضوء ولا من الْجَنَابَة، والتَّيَمُّم أحبَّ إلَيَّ منه، ولَم نقف له عَلَى حُجَّة في ذَلِكَ.
والسنَّة الْمتَقَدّم ذكرها تردُّه، وكذَلِكَ الكتاب العزيز فَإنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ مع قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً طَهُورًا﴾ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ دليل عَلَى أنَّ ماء البحر من جُملة ما أنزل ليطهِّرنا به.