الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٤٢٣- ومنها ما روي عن عمر أَنَّهُ تَوَضَّأَ من جرَّة نصرانية مع أنَّ نَجَاسَة أواني النصارى معلومة، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أنَّ عمر لَمْ يعوِّل إِلاَّ عَلَى عدم التغيُّر، وَاللهُ أَعلَم.
ومنها أَنَّهُ لَمْ ينقل من أَوَّل عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى آخر عصر الصحابة أَنَّهُم خاضوا في تقدير الْمِيَاه بالمقادير الْمُبيَّنة، ولأَنَّهم سألوه عن كَيفِيَّة حفظ الْمِيَاه عن النجاسات مع أنَّ مكَّة والْمَدِينَة أقلّ البلاد ماء، فلو كان التقدير بالقلَلِ مُعتبرا لاحتاج إليه الصحابة لقلَّة الْمِيَاه الكثيرة في بلادهم، والقضيَّة مِمَّا تعمّ بِها البلوى بينهم؛ فلو كان التقدير معتبرا لَخاضوا فيه ولسألوا عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وَاللهُ أَعلَم.
ومنها أَنَّهُ لو وقع بول في قَدر قُلَّتَين ثُمَّ فرِّق ذَلِكَ الْمَاء، فكلَّما أخذ منه شيءٌ كان طاهرا باتِّفَاق الْجَمِيع، ومعلوم أنَّ البول منتشر فيه وهو قليل، فأيّ فرق بينهما إذا وقع ذَلِكَ القليل في ذَلِكَ القدر من الْمَاء ابتداء، وبين ما إذا وصل إليه عند اتِّصال غيره به؟!، وَاللهُ أَعلَم.
- ومنها أَنَّهُ لو تنجَّس الْمَاء بِملاقاة النجس ولو لَمْ يغلب عَلَيْهِ لوجب أن يضرب لذَلِكَ حدّ ومقدار ينتهي إليه قدر الْمحكوم له بالنجاسات، إذ لا يُمكننا أن نَحكم بنَجَاسَة الْمَاء إن كان في غاية الكثرة، مثل: ماء الأودية العظيمة، والغدران الكبار؛ فإنَّ طهارة ذَلِكَ ثابتة بالإجِمَاع فلا بدَّ من التقدير بِمقدار معيَّن، وقد نقل عن الناس تقديرات مُختلفة وليس بعضها أولى من بعض؛ فوجب التعارض والتساقط.
فهذه حجج أرباب هذا القول، وهي مستقيمة عَلَى نَهج الصواب كما ترى لا يَحوم حولَها خلل.
وقد عرفتَ ما في استدلال الْمفرِّقين بين الْمَاء القليل والكثير من الإيرادات والْمعارضات التي لا مَخلص منها.