الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٤٣٠فإن وجدها متغيَّرة الطعم والريح ولَم يظهر فيها نَجَاسَة قائمة بعينها، فإذا احتمل أن يكون من غير النَّجَاسَة من تغيُّر الريح واللون والطعم فحكم ذَلِكَ الْمَاء طاهر حَتَّى تصحَّ نَجاسته.
وإن لَمْ يحتمل إِلاَّ أَنَّهُ متغيِّر من النَّجَاسَة فحكمه حكم ما غلب عَلَيْهِ ما لا يَحتمل سواه من الطهارة، وَاللهُ أَعلَم.
وفيه ما يَدُلُّ عَلَى جواز أكل الطعام الْمُتنَجّس للتقوية لأداء الفرائض إذا لَمْ يَجد طعاما غيره.
ولَعلَّ وجهُ ذَلِكَ: من حيث إِنَّه لو لَمْ يأكل منه لضعف جسده فيكون مضطرًّا إلى أَكله؛ فإباحة أكل ذَلِكَ إِنَّمَا هي لدفع الضرر عن الْجَسَد لا لِنفس التقوِّي لأداء الفرائض؛ فإنَّ الربَّ تَعَالَى كريم تعبَّدنا بأداء الفرائض عند القدرة عَلَيْهَا، وحطَّها عنَّا عند العجز عن أدائها، ولم يأمرنا أن نتقوَّى عَلَى أدائها بِما حجره علينا؛ وَإِنَّمَا أباح لنا عند الضرر أكل ما حجر علينا من الْميتة والدم ولَحم الخنزير رأفة بنَا، ودفعا للضرِّ عنَّا، وَاللهُ أَعلَم.
وفيه أيضا جواز ترك الْمَاء الْمُتنَجّس في الإناء لينتفع به من جاء، وهو مُشكل؛ لأَنَّ في تركه كذَلِكَ غشًّا للآتي؛ لأَنَّه قد يكون الآتي من بعد مُستغنيا عن استعمال الْمَاء الْمُتنَجّس، فإذا وجد ماء في غير البركة الْمعلوم نَجاستها حكم عَلَى ذَلِكَ الْمَاء الْمنفصل بنفسه بالطهارة؛ لأَنَّ الطهارة هي الْحُكْم في الْمِيَاه؛ فقد يستعمله آخذا بظاهر الْحُكْم مع استغنائه عنه، ولا قول فيه إِلاَّ أَنَّهُ سالِم.
لكن بقي النظر فيمن ترك الْمَاء الْمُتنَجّس منفصلا عن البركة الظاهرة نَجاستها، هل يسعه ذَلِكَ؟ إذ بِسببه يتأتَّى لِمن جاء من بعده استعمال الْمَاء وإن كان غير مُحتاج له.
وهل هذا غشٌّ للقادم أم لا؟ والظاهر أَنَّهُ غشّ فيجب اطِّراحه في مَحلِّه.