الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٥الْمَسأَلة الثانية: في العرق والدموع والريق واللبن والدهن وماء الأشجار كماء الباقلاء والقثاء والبطيخ وأشباه ذَلِكَ
وهذه الأشياء من القسم الطاهر الغير الْمُطهِّر فلا يَجوز الوضوء بِها، بل حكى بعضهم إجِمَاع أهل العِلْم /381/ عَلَى منع التوضُّؤ بِمثل ذَلِكَ.
قال الشيخ أبو سعيد: يلحق ما أشبه الْمَاء مَعَانِي الاختلاف في الاكتفاء به دون التَّيَمُّم، أو يستعمل مع التَّيَمُّم.
قال: ويعجبني في الاحتياط أن يستعمل مع التَّيَمُّم إذ لا مَعنَى لتركه بعد وجوده؛ لأَنَّه قد أشبه الْمَاء في الْمَعنَى الْمُرَاد به، وما أشبه الشيء فهو مثله.
وَقِيلَ: إذا اختلط الْمَاء واللبن وكان الْمَاء أكثر جاز الوضوء به للصلاة؛ ولا يَجوز الاستنجاء به.
وَقِيلَ: إذا كان الْمَاء قدر الثلثين جاز الوضوء به دون الاستنجاء. وكذَلِكَ قيل في الْخلِّ، ولا أدرى ما وجه هذا القول فَإنَّهُم يرخِّصون في إزالة النجس أكثر من ترخيصهم في الوضوء كما عرفته مِمَّا تَقَدَّم في الْمَاء الْمُضَاف أنه يزيل النجس ولا يَتَطهَّر به للعبادة، وهذا القول عَلَى عكس ما تَقَدَّم هنالك.
وكره عطاء الوضوء باللبن. وعن ابن عباس أَنَّهُ قال: لا يُتَوَضَّأ باللبن، إذا لَمْ يَجد أحدكم الْمَاء فليتَيَمّم.
وذهب الأوزاعي والأصم إلى أَنَّهُ يَجوز الوضوء والغُسْل بِجَمِيع الْمائعات الطاهرة، وإليه مال أبو سعيد عند عدم الْمَاء، والأكثر عَلَى منعه.
احتَجّ الْمجوِّزون: بأنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ أمر بِمطلق الغُسْل، وإمرار الْمائع عَلَى العضو يُسَمَّى غسلا، كقول الشاعر:
فَيَاحسنهَا إِذ يَغسِلُ الدمعُ كُحلَهَا
وإذا كان الغُسْل اسما للقدر الْمشترك بين ما يَحصل بالْمَاء وبين ما يَحصل من سائر المائعات، كان قوله: ﴿فَاغْسِلُواْ﴾ في الوضوء متناولا لِكُلِّ الْمائعات.