الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٤٦٤احتَجّ مالك عَلَى أَنَّهُ طاهر مُطهِّر بالكتاب والسنَّة والقياس.
أَمَّا الكتاب: فقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً طَهُورًا﴾، وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ فدلَّت الآية عَلَى حصول وصف الْمطهرية للماء، والأصل في الثابت بقاؤه؛ فوجب الْحُكْم ببقاء هذه الصفة للماء بعد صيرورته مستعملا.
وَأيضًا: قوله ﴿طَهُورًا﴾ يقتضي جواز التَّطَهُّر به مَرَّة بعد أخرى؛ لأَنَّ الطهور هو الذي يتكرَّر منه هذا الفعل كالضحوك والقتول والأكول والشروب.
وَأَيضًا: فقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ أمر بالغُسْل مطلقا، واستعمال الْمَاء الْمُستَعمل غسل؛ فوجب أن يغسل به، فثبت أَنَّهُ مُطهِّر.
والْجَوَاب: أنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ مُقيَّد لثبوت التطهير بالْمَاء الْمنزَّل، ولا يَدُلُّ عَلَى وجود ذَلِكَ التطهير بالْمَاء الواحد مَرَّة بعد أخرى، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ثبوت حقيقة هي التطهير؛ فإذا حصلت مَرَّة واحدة فقد صحَّ مَعنَى الآية، فيحتاج في كونه بعد ذَلِكَ مُطهِّرا إلى دليل.
وَأَمَّا قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً طَهُورًا﴾ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تِكرار الْمطهريَّة له باعتبار كثرة أجزائه، وتكرار أفراده، وتعدُّد أنواعه؛ فكلُّ نوع منه مُطهِّر عَلَى حياله، ولا يَدُلُّ عَلَى أنَّ النوع الواحد منه يصحُّ منه تكرار التطهير.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ فمطلق قيِّد بقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمّمواْ﴾ والْمَاء الْمُستَعمل لا يُطلق عَلَيْهِ اسم ماء عَلَى الإطلاق بل اسم الغسالَة أولى به.