معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 1 في الطهارات

الجزء ٣ · صفحة ١٣٣

واستدلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحديث أبي داود أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِمخنّث قد خضب يديه ورجليه بالْحِنَّاء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «مَا بَالُ هَذَا؟» قالوا: يتشبَّه بالنساء؛ فأمرَ به فنفي إلى النقيع (-أي بالنون- وهو بَعيد من الْمَدِينَة). ونسب إلى الشافعي وأتباعه التَحرِيم مطلقا.

ونسب إلى بعض علماء اليمن الْمتأخِّرين القول بالْحلّ مطلقا.

قال ابن حجر: إنَّ بعض القائلين بالْحلِّ تعدَّى طوره؛ إلى أن ادَّعى فيه الاجتهاد، وزعم أنَّ القائلين بالحرمة استروحوا ولم يتأمَّلوا فغلطوا في ذَلِكَ.

قُلتُ: ولَعلَّ هؤلاء يَحتجُّون بظاهر الأَحَادِيث الْمتَقَدّم ذكرها في أَوَّل التنبيه، فَإنَّهَا تَدُلُّ عَلَى إباحة الاختضاب بالْحِنَّاء عَلَى ندبيته، لِما فيها من الحثِّ عَلَى استعماله، وهي مَحمولة عندنا عَلَى ما إذا قصد بِها صلاح الْجَسَد ولم يكن عَلَى جهة التشبُّه بالنساء.

ولَعلَّ الْمحرِّمين لذَلِكَ مطلقا يَحتجُّون بِحديث أنس في أنَّ طيب النساء ما ظهر لَونه وخفي ريحه، والْحِنَّاء عَلَى هذا الوصف، فيجب أن يكون مِمَّا يَختصُّ به النساء.

والْجَوَاب: أَنَّهُ إن استعمل عَلَى جهة التطيُّب فذَلِكَ مسلَّم؛ لأَنَّ فيه تشبُّها بالنساء، وإن كان عَلَى غير ذَلِكَ الْحَال فلا يَدُلُّ الْحَدِيث عَلَى الْمنع من استعماله، وَاللهُ أَعلَم.

ويبحث في استدلال ابن حجر من وجهين:

أَحَدُهُما: أنَّ ابن حجر حكى عن الْمنذِري أَنَّهُ قال في الْحَدِيث الذي استدلَّ به: إنَّ في متنه نكارة، قال: وليس في مسنده مَجهول خِلاَفا لِمن زعمه.

فهذا من كلامه يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْحَدِيث غير صحيح عندَ الرواة، بل هو منكر عند الْمنذِري، وفي روايته مَجهول عند غيره، وما كان هذا حاله فلا يقوم به الاحتِجَاج.

٨٦١ / ٣٬٧٥٢