الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٦ولعلَّ حجَّتهم في ذلك قياس دم الاستحاضة عَلَى الْحَيْض، أو ما يروى عن عائشة أنَّها قالت: "الْمُستَحَاضَة لا يأتيها زوجها"، فحملوا النهي عَلَى التحريم كما كان ذلك في الْحَائِض.
قال أبو مُحَمَّد: وقد أخطؤوا في ذلك، إذ لو كان الْمانع للوطء ظهور الدم من الفرج لَحَرُم وطء الْمَرْأَة إذا ظهر من فرجها دم قرحة، ففي اتِّفَاق الناس عَلَى جواز ذلك ما يَدُلُّ عَلَى أن العِلَّة المانعة ليست ظهور الدم من فرجها. قال: وقد أجمع الكلُّ إِلاَّ من ذَكَرنَا فيما علمت عَلَى إجازة وطء الْمُستَحَاضَة من أهل الوفاق والْخِلاَف.
قُلْتُ: وحديث عائشة موقوف لا تنهض به حُجَّة، مع أَنَّهُ يَحتمل أن يكون رأيا لها، ولم يكن عن شَيْء سَمعته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
سَلَّمْنَا، فالنهي للتكريه دون التحريم لقيام الأَدِلَّة عَلَى جواز وطء الْمُستَحَاضَة، وَاللهُ أَعلَم.
واحتجَّ أبو مُحَمَّد للقول بالإباحة بِمفهوم قوله تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ﴾. قال: فالْمَانع من وطء الْحَائِض ما دامت حائضا، /89/ فإذا طهرت وتطهَّرت جاز وطؤها، والْمُستَحَاضَة مُخَالِفة للحائض، إذ هي متطهِّرة ومَأْمُورة بالصَّلاَة والصيام بدلالة السنَّة واتِّفَاق الأُمَّة.
قال أبو سعيد: لا معنى يخرج حكمها في الوطء من سائر الأَحْكَام، فَإِنَّهَا مَحكوم لها وعَلَيهَا بأَحْكَام الطاهرين من الصَّلاَة والصوم والْعدَّة وجَمِيع الأَحْكَام.
احتجَّ القائلون بالتكريه: بقياس الْمُستَحَاضَة في ذلك عَلَى الْحَائِض؛ لأَنَّ الله تَعَالَى نهى عن وطء الْحَائِض في حال الدم فقال تَعَالَى: ﴿هُوَ أَذًى﴾، فكَذَلِكَ دم الْمُستَحَاضَة ﴿هُوَ أَذًى﴾ أيضا.