الوحدة الوطنية في فكر ابن باديس وجهوده في المحافظة عليها لمسعود فلوسي
الجزء ١ · صفحة ١٠الحفاظ على الوحدة الوطنية أحد أبرز محاور العمل الإصلاحي الذي قاده في واقع المجتمع الجزائري خلال النصف الأول من القرن الماضي.
1 ـ موقع الوحدة الوطنية بين اهتمامات ابن باديس:
ابن باديس رجل إصلاح وتغيير، قبل أي شيء آخر، ومن طبيعة المصلح الاجتماعي أن لا يقصر جهده التغييري والإصلاحي على جانب معين من جوانب الحياة دون بقية الجوانب الأخرى، بل يمد نظره إلى كل المجالات سعيا إلى إصلاحها وتغيير أحوالها نحو الأفضل والأحسن. لذلك نجد المصلحين عادة ما يسلكون مناهج شاملة ذات أبعاد فكرية وحضارية عامة. ومن هؤلاء إمام الجزائر ورائد حركتها الإصلاحية في النصف الأول من هذا القرن الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله، الذي قاد حركة إصلاحية شاملة استهدفت تغيير حياة الجزائريين ونقلهم من حال إلى حال.
من هنا نجد أن اهتمام الشيخ رحمه الله بالوحدة الوطنية يندرج ضمن اهتمام أكبر يمتد ليشمل دائرة أوسع .. اهتمام يتعلق أساسا بانتشال أمة غارقة في أوحال الجهل والتخلف والاستعباد، والعمل على الارتفاع بها إلى مستوى تشعر معه بأهميتها وحقوقها ومكانتها بين الأمم.
فقد ولد ابن باديس رحمه الله في سنة 1889م، أي قبل بداية هذا القرن بأكثر من عقد من الزمن، وقد تفتح وعيه في بداية القرن العشرين على واقع مؤسف يعيشه المجتمع الجزائري، واقع أبرز ما يميزه هو الاستغلال الفظيع الذي كان يتعرض له الجزائريون من قبل المعمرين الفرنسيين من جهة، ومختلف أساليب التجهيل التي تمارس على هؤلاء الجزائريين من قبل الإدارة الفرنسية لكي تبقيهم على وضع من الغفلة والذهول التام عن حقوقهم ومصالحهم التي سطت عليها وأرادت أن تحافظ عليها وإلى الأبد، من جهة ثانية ..
ولكي يُبْقِيَ الاستعمارُ الفرنسي على هذه الوضعية التي أحاط بها الجزائريين، عمل بوسائل مختلفة وفي مجالات متعددة على تحقيق هذا الهدف .. وكان من أهم الوسائل التي سلك عليها؛ تأجيج أسباب الفرقة والشقاق بين أفراد المجتمع الجزائري، بإثارة النعرات العرقية والجهوية واللغوية، والعمل على حمل الجزائريين على الاشتغال بها والغفلة عن غيرها من القضايا المصيرية التي كان الاستعمار يعمل جاهدا لاستمرار غفلتهم عنها. يقول ابن باديس في وصف هذه الوضعية:
"لقد كان هذا العبد (يتحدث عن نفسه) يشاهد قبل عقد من السنين هذا القطر قريبا من الفناء، ليست له مدارس تعلمه، وليس له رجال يدافعون عنه ويموتون عليه. بل كان في اضطراب دائم مستمر، ويا ليته كان في حالة هناء، وكان أبناؤنا يومئذ لا يذهبون إلا إلى المدارس الأجنبية التي لا تعطيهم غالبا من العلم إلا ذلك الفتات الذي يملأ أدمغتهم بالسفاسف، حتى إذا خرجوا منها خرجوا جاهلين دينهم ولغتهم وقوميتهم، وقد ينكرونها" (1).